الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولو قال : كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاحها لم يكن هذا شيئا إلا أن يريد طلاقا ، فإن اختار إمساك أربع فقد انفسخ نكاح من زاد عليهن ( قال المزني ) رحمه الله : القياس عندي على قوله أنه إذا أسلم وعنده أكثر من أربع وأسلمن معه فقذف واحدة منهن أو ظاهر أو آلى كان ذلك موقوفا ، فإن اختارها كان عليه فيها ما عليه في الزوجات ، وإن فسخ نكاحها سقط عنه الظهار والإيلاء ، وجلد بقذفها " .

                                                                                                                                            [ ص: 282 ] قال الماوردي : وصورتها في مشرك تزوج بثماني زوجات ثم أسلم قبلهن فيتعلق بها ثلاثة فصول :

                                                                                                                                            أحدها : أن يقول لنسائه كلما أسلمت منكن فقد اخترت إمساكها ، فهذا لا يصح لمعنيين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه اختيار معلق بصفة ، والاختيار للنكاح لا يجوز أن يعلق بصفة .

                                                                                                                                            والثاني : أنه اختيار لمبهمة غير معينة ، والاختيار لا يصح إلا لمعينة كالنكاح .

                                                                                                                                            والفصل الثاني : أن يقول لهن : كلما أسلمت واحدة ، فقد فسخت نكاحها ، فهذا لا يصح لمعنيين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه فسخ معلق بصفة ولا يجوز تعلق الفسخ بالصفات .

                                                                                                                                            والثاني : أنه فسخ قبل وقت الفسخ : لأنه يستحق فسخ من زاد على الأربع ، وقد يجوز أن لا يسلم أكثر من أربع ، فلا يستحق فيه فسخ نكاحهن .

                                                                                                                                            والفصل الثالث : أن يقول لهن : كلما أسلمت واحدة فقد طلقتها ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه يصح لأن الطلاق يجوز تعليقه بصفة ، فإذا أسلم منهن أربع طلقن ، وكان ذلك اختيارا لهن : لأن الطلاق لا يقع على زوجة ، وينفسخ نكاح الأربع الباقيات : لأن الطلاق في المتقدمات قد يتضمن اختيارهن ، فصار فسخا لنكاح من سواهن ، وهذا هو الظاهر من كلام الشافعي : لأنه قال : " ولو قال : كلما أسلمت واحدة فقد اخترت فسخ نكاحها لم يكن هذا شيئا إلا أن يريد به طلاقها ، فدل على أنه لو قال : كلما أسلمت واحدة ، فقد طلقتها صح طلاقها .

                                                                                                                                            والفرق بين الفسخ في أن لا يجوز تعليقه بصفة ، وبين الطلاق في أن جواز تعليقه بالصفة أن الفسخ موضوع لتمييز الزوجة عن الزوجة فلم يجز تعليقه بالصفة لعدم التمييز المقصود فيه ، والطلاق حل لنكاح الزوجة فجاز تعلقه بالصفة لوجود حل النكاح به .

                                                                                                                                            والوجه الثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وطائفة معه - : أن قوله للثماني المشركات كلما أسلمت واحدة فهي طالق ، لا يصح : لأن الطلاق ، وإن جاز تعلقه بالصفة ، فهذا الطلاق هاهنا لا يجوز تعليقه بالصفة : لأنه يتضمن اختيارا أو فراقا ، ولا يجوز تعليق الاختيار بالصفة ، كذلك لا يجوز تعليق الطلاق الذي قد تضمن اختيار الصفة ، ويتأول قائل هذا الوجه كلام الشافعي هاهنا بتأويلين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن قول الشافعي : " كلما أسلمت واحدة فقد اخترت فسخ نكاحها ، لم يكن هذا شيئا إلا أن يريد طلاقها " فيصح ، ويقع الطلاق ، إذا كان زوجاته في الشرك أربعا لا يزدن عليها ، فيقع طلاق كل واحدة منهن إذا أسلمت : لأنه طلاق محض لا يتضمن اختيارا فجاز تعليقه بالصفة .

                                                                                                                                            والتأويل الثاني : أن كلام الشافعي حكاية عن حال الزوج ، وليس من لفظ الزوج ، [ ص: 283 ] ويكون معنى قوله : " كلما أسلمت واحدة " أن الزوج قال عند إسلام كل واحدة : قد فسخت نكاحها ، يريد الطلاق ، طلقت : لأنه لو اختارها في هذه الحال ، صح فصح أن يطلقها ، فعلى هذا لو أسلم معه الثماني كلهن ، فقال لهن : أيتكن دخلت الدار فقد فسخت نكاحها : لأنه فسخ بصفة ، ولو قال : أيتكن دخلت الدار فهي طالق ، كان على ما ذكرنا من الوجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : لا يصح : لأنه يتضمن اختيارا بصفة .

                                                                                                                                            والثاني : يصح : تغليبا لحكم الطلاق .

                                                                                                                                            فإذا دخلها أربع طلقن ، وانفسخ نكاح الباقيات ، فيصير الطلاق معلقا به ثلاثة أحكام :

                                                                                                                                            أحدها : اختيار المطلقات .

                                                                                                                                            والثاني : فراقهن .

                                                                                                                                            والثالث : فسخ نكاح من عداهن ، فعلى هذا لو دخل الثماني الدار كلهن في حالة واحدة ، لم يتقدم بعضهن بعضا ، ووقع الطلاق على الزوجات الأربع منهن وجها واحدا : لأنه طلاق لا يتضمن الاختيار .

                                                                                                                                            وقيل له : اختر أربعا منهن ، فإذا اختارهن تعين وقوع الطلاق فيهن ، وانفسخ نكاح الباقيات بغير طلاق ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية