الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ القول في الشهادة في النكاح ]

مسألة : ( قال المزني ) - رحمه الله - : وروى الشافعي عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ورواه غير الشافعي عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال الماوردي : وهذا صحيح ، الشهادة في النكاح واجبة .

وقال داود : غير واجبة ، وبه قال من الصحابة : علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن الزبير ، وعمر ، وعبد الله بن عباس .

ومن التابعين : سعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، والنخعي .

[ ص: 58 ] ومن الفقهاء : أبو حنيفة ، والثوري ، وأحمد بن حنبل ، ومالك ، وأبو ثور ، غير أن مالكا جعل الإشهاد به وترك التراخي بكتمه شرطا في صحته ، واستدلوا بقوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ النساء : 3 ] فكان على عمومه ، وكما رواه عباد بن سنان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا أنكحك أمامة بنت ربيعة بن الحارث ؟ قال : بلى ، قد أنكحتها ، ولم يشهد ، ولما روي أن عليا زوج بنته أم كلثوم من عمر ولم يشهد .

قالوا : ولأن العقود نوعان : عقد على عين كالبيع ، وعقد على منفعة كالإجارة ، وليست الشهادة شرطا في واحد منهما فكان النكاح ملحقا بأحدهما .

واستدل مالك خصوصا في وجوب الإشهاد بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف ، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نكاح السر .

ودليلنا ما رواه الحسن عن عمران بن الحصين عن النبي أنه قال : لا نكاح إلا بولي وشاهدين . وروى ابن مسعود عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا نكاح إلا بولي وشاهدين .

وروى هشام بن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا بد في النكاح من أربعة : زوج ، وولي ، وشاهدي عدل . ولأن عقد النكاح لما خالف سائر العقود في تجاوزه عن المتعاقدين إلى ثالث هو الولد الذي يلزم حفظ نسبه ، خالفها في وجوب الشهادة عليه حفظا لنسب الولد الغائب : لئلا يبطل نسبه فيجاهد الزوجين ، وفي هذا انفصال عما ذكروه من الاستدلال في إلحاقه إما بعقود الأعيان ، أو بعقود المنافع .

فأما الجواب عن الأول : فهو أن المقصود بها من يستباح من المنكوحات ، ولم يرد في صفات النكاح .

وأما الجواب عن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أمامة بنت ربيعة ولم يشهد ، وتزويج علي بنته أم كلثوم بعمر بن الخطاب ولم يشهد ، فهذا جواب واحد ، وهو أنه حضر العقد شهود لم يقل لهم اشهدوا : إذ يبعد أن يخلو مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال بروزه من حضور نفسين فصاعدا ، وكذلك حال عمر مع علي عليهما السلام ، لا يخلو أن يحضره نفسان ، وإذا حضر العقد شاهدان بقصد أو اتفاق صح العقد بهما ، وإن لم يقل لهما اشهدا ، فلم يكن في الخبر دليل : لأن قول الراوي : ولم يشهد ، أي لم يقل لمن حضر اشهدوا ، وكيف يصح ذلك عن عمر ، وقد روي عنه أنه رد نكاحا حضره رجل وامرأة ، فقال : هذا نكاح السر ولا أجيزه ، ولو تقدمت فيه لرجمت . وفيه تأويلان : [ ص: 59 ] أحدهما : يعني لو تقدمت فيه فخولفت .

والثاني : يعني لو تقدمت بالواجب وتعديت إلى ما ليس بجائز لرجمت .

وأما استدلال مالك بقوله عليه السلام : وأعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف ففيه جوابان :

أحدهما : أن إعلانه يكون بالشهادة ، وكيف يكون مكتوما ما شهده الشهود ، أم كيف يكون معلنا ما خلا من بينة وشهود .

والجواب الثاني : أن يحمل إعلانه على الاستحباب ، كما حصل ضرب الدف على الاستحباب دون الإيجاب لمن كان في ذلك العصر ، وإن كان في عصرنا غير محمول على الاستحباب ولا على الإيجاب .

وأما نهيه عن نكاح السر ، فهو النكاح الذي لم يشهده الشهود ، ألا ترى أن عمر رد نكاحا حضره رجل وامرأة ، وقال : هذا نكاح السر ولا أجيزه ، وقال الشاعر :


وسرك ما كان عند امرئ وسر الثلاثة غير الخفي

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث