الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قال الشافعي - رحمه الله - : ولا يزوج المرأة ابنها إلا أن يكون عصبة لها " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : لا ولاية للابن على أمه ، وليس له أن يزوجها بالبنوة .

وقال مالك ، وأبو حنيفة ، وصاحبه ، وأحمد ، وإسحاق : يجوز للابن أن يزوج أمه ، واختلفوا في ترتيبه مع الأب .

فقال مالك ، وأبو يوسف ، وإسحاق : الابن أولى بنكاحها من الأب .

وقال أحمد بن حنبل ، ومحمد بن الحسن : الأب أولى ، ثم الابن .

وقال أبو حنيفة : هما سواء ، وليس أحدهما بأولى من الآخر ، فأيهما زوجها جاز .

واستدلوا جميعا على ثبوت ولاية الابن عليها : بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب أم سلمة قالت : يا رسول الله ما لي ولي حاضر ، فقال ما لك ولي حاضر ولا غائب لا يرضاني . ثم قال لابنها عمر بن أبي سلمة : " قم يا غلام فزوج أمك " . فهذا نص .

قالوا : وقد روي أن أنس بن مالك زوج أمه أم سليم من عمه أبي طلحة ، فلم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأن ابن المرأة عصبة لها ، فجاز أن يكون وليا في نكاحها كالأب ، ولأن تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب : لأنهما إذا اجتمعا سقط بالابن تعصيب الأب ، وصار معه ذا فرض فاقتضى أن يكون أولى بتزويجها من الأب ، ولأن الولي إنما يراد لحفظ المنكوحة من تزويج من لا يكافئها فيدخل العار على أهلها ، والابن رافع للعار عنها وعن نفسه من سائر الأولياء لكثرة أنفته وعظم حميته ، فكان أحق بنكاحها .

ودليلنا : هو أن كل نسب لا يملك به أبو المنتسب الولاية لم يملك به المنتسب بالولاية كالأخ من الأم طردا أو كالأخ من الأب عكسا ، ولأن كل ذي نسب أدلى بمن لا يملك الإجبار على النكاح لم يكن وليا في النكاح كابن الأخت طردا ، وكابن الأخ عكسا ، ولأن من لم يجمعهما نسب لم يثبت بينهما ولاية النسب كالابن من الرضاع .

فإن قيل : فالابن مناسب والمرتضع غير مناسب قيل الابن غير مناسب لأمه : لأن يرجع [ ص: 95 ] بنسبه إلى أبيه لا إليها ، ألا ترى أن ابن العربية من النبطي نبطي ، وابن النبطية من العربي عربي ، ولأن ولي الأختين المتناسبتين واحد وولاية الأخوين المتناسبين واحدة ، فلما لم يملك الابن تزويج خالته لم يملك تزويج أمه ، ولما لم يملك أخوه لأبيه تزويج أمه لم يملك هو تزويج أمه .

ويتحرر من هذا الاعتلال : قياسان :

أحدهما : أن من لم يملك تزويج امرأة لم يملك تزويج أختها المناسبة لها قياسا على ابن البنت طردا ، وعلى ابن العم عكسا .

والثاني : أنها امرأة لا يملك أخوه المناسب له تزويجها فلم يملك هو تزويجها ، كالخالة طردا وكالعمة عكسا ، ولأن كل موضع الولاية بالنسب أن يكون على الولد فلم يجز أن يصير للولد قياسا على ولاية المال ، ولأن ولايته على نكاحها لا يخلو أن يكون دلاؤه بها أو بأبيه ، فلم يجز أن يكون دلاؤه بأبيه : لأن أباه أجنبي منها ولم يجز أن تكون دلاؤه بها لأنه لا ولاية لها على نفسها ، فأولى أن يكون لها ولاية لمن أدلى بها ، وإذا بطل الإدلاء بالسببين بطلت الولاية .

فإن قيل : فغير منكر أن يكون لمن أدلى بها من ولاية النكاح ما ليس لها كالأب يزوج أمة بنته إدلاء بها ، وليس للبنت تزويجها .

قيل : لم يزوجها الأب إدلاء بالبنت لأن الإدلاء إنما يكون من الأسفل إلى الأعلى ، ولا يكون من الأعلى بالأسفل ، وإنما زوجها : لأنه لما كان وليا على بنته فأولى أن يكون وليا على أمة بنته : لأن الولاية إذا أثبتت على الأقوى ، فأولى أن تثبت على الأضعف .

فأما الجواب عن تزويج أم سلمة فمن ثلاثة أوجه :

أحدها : أن ابنها زوجها : لأنه كان مع البنوة مناسبا لها : لأن عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، فكان من بني عمها يجتمعان في عبد الله بن عمر بن مخزوم .

قال أحمد بن حنبل : فكان أقرب عصباتها الحاضرين ، فزوجها بتعصيب النسب لا بالبنوة .

والجواب الثاني : أن قوله صلى الله عليه وسلم : قم فزوج أمك أي فجئني بمن يزوج أمك لأمرين : أحدهما : أن أم سلمة قالت : يا رسول الله ما لي ولي حاضر فأقرها على هذا القول فدل على أنه لم يكن وليا .

والثاني : أنه كان غير بالغ ، قيل : إنه كان ابن ست سنين وقيل ابن سبع سنين ، فدل بهذين الأمرين على أن أمره بالتزويج إنما كان أمرا بإحضار من يتولى التزويج .

والجواب الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مخصوص في مناكحه بأن يتزوج بغير ولي فأمر ابنها [ ص: 96 ] بذلك : استطابة لنفسه لا تصحيحا للعقد على أن راوي هذا اللفظ إنما هو ثابت عن عمر بن أبي سلمة وثابت لم يلق عمر فكان منقطعا .

وأما أنس بن مالك فكان من عصبات أمه فزوجها بتعصيب النسب لا بالبنوة .

وأما الجواب عن قياسه بأنه عصبة كالأب فهو أن الابن عصبة في الميراث ليس بعصبة في ولاية النكاح : لأن ولاية النكاح يستحقها من علا من العصبات ، والميراث يستحقه من علا وسفل من العصبات ، ثم المعنى في الأب لما كان أبوه - وهو الجد - وليا لها كان الأب وليا ، ولما كان أبو الابن - وهو الزوج - غير ولي لها لم يكن الابن وليا .

وأما الجواب عن استدلالهم بأن تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب ، فهو أنه أقوى منه في الميراث باستحقاق الولاية في النكاح ، لا في ولاية النكاح ، ولا يجوز أن تعتبر قوة التعصيب في الميراث : لأن الصغير والمجنون من الأبناء يسقط في الميراث تعصيب الآباء ، وإن خرج من ولاية النكاح عن حكم الأب .

وأما الجواب عن استدلالهم بأنه أعظم حمية وأكثر أنفة في منعها من غير الأكفاء ، فهذا المعنى هو الذي أبطل ولايته به وبه استدل الشافعي ، فقال : " لأنه يرى نكاحها عارا " يعني أنه يدفع عن تزويجها ويراه عارا ، فهو لا يطلب الحظ لها في نكاح كفئها ، والولي مندوب لطلب الحظ لها ، فلذلك خرج الابن عن معنى الأولياء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث