الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : وأما الشرط الثالث : وهو صفة العقد وكيفيته ، فقد ينعقد على أحد وجهين ، إما بالبذل والقبول ، وإما بالطلب والإيجاب ، ولهما فيه ثلاثة أقوال :

أحدهما : أن يعقد له بلفظ الماضي .

والثاني : بلفظ المستقبل .

والثالث : بلفظ الأمر .

فإن عقداه بلفظ الماضي فضربان :

أحدهما : أن يعقداه بالبذل والقبول . والثاني : بالطلب والإيجاب .

فأما عقده بالبذل والقبول ، فهو أن يبدأ الولي ، فيقول : قد زوجتك بنتي على صداق ألف درهم ، ويقول الزوج : قد قبلت نكاحها على هذا الصداق ، فيكون قد ابتدأ به الولي بذلا ، وما أجابه الزوج قبولا ، وإذا كان هكذا ، فللزوج في قبوله ثلاثة أحوال :

أحدها : أن يقول : قبلت نكاحها على هذا الصداق .

والثاني : أن يقول : قبلت ولا يذكر الصداق .

والثالث : أن يقول : قبلت ولا يذكر النكاح ولا الصداق .

فأما الحال الأولى : وهو أن يقول : قبلت نكاحها على هذا الصداق ، فقد انعقد النكاح على الصداق المسمى إذا كان قبول الزوج على الفور من بذل الولي ، ولو قال الزوج : قبلت نكاحها على صداق خمسمائة ، وقد بذلها الولي له بصداق ألف انعقد الصداق ، ولم تلزم فيه أحد الصداقين ، وكان لها مهر المثل : لأن الألف لم يقبلها الزوج والخمسمائة لم يرض بها المولى .

وقال أبو حنيفة : ينعقد على صداق خمسمائة : لأنها أقل فصارا مجتمعين عليها ، وإن تفرد الولي بالزيادة ، وهذا خطأ لما ذكرنا .

وأما الحال الثانية : وهو أن يقول قبلت نكاحها ، ولا يذكر قبول الصداق ، فيصح النكاح بقبوله ، ولا يلزم المسمى : لأنه لم يذكره في القبول ، وليكون لها مهر المثل .

وقال أبو حنيفة : يلزم فيه الصداق المسمى بقبول النكاح والذي يتضمنه كالبيع إذا قال : بعتك عبدي بألف ، فقال المشتري : قبلت هذا البيع لزمه ذلك الثمن ، وإن لم يصرح به في قبوله ، كذلك النكاح .

وهذا خطأ : لأن البيع لا ينعقد إلا بثمن ، فكان قبوله البيع قبولا لما تضمنه من الثمن وإن لم يصرح به في قبوله ، وليس كذلك النكاح : لأنه قد يصح بغير الصداق فلم يكن قبوله لنكاح قبولا لما يتضمنه من الصداق حتى يصرح به في قبوله .

وأما الحال الثالثة : وهو أن يقول : قبلت ويمسك ، فلا يذكر النكاح ولا الصداق في قبوله ، ففيه قولان ، وهو ظاهر كلامه هاهنا ، وقد نص عليه صريحا في كتاب " الأم " ورواه البويطي ، وقاله جمهور أصحابنا أن النكاح باطل .

[ ص: 160 ] والقول الثاني : قاله في كتاب " التعريض بالخطبة من كتب الأمالي " : إن النكاح صحيح ، وبه قال أبو حنيفة استدلالا بأمرين :

أحدهما : أن قوله : قبلت إنما هو جواب للبذل الصريح وجواب الصريح يكون صريحا كقوله تعالى : فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم [ الأعراف : 44 ] أي نعم وجدناه ، وكقوله : ألست بربكم قالوا بلى [ الأعراف : 172 ] أي بلى أنت ربنا ، وكما لو ادعى رجل على رجل ألف درهم فسأله الحاكم عنها ، وقال له عليك ألف ؟ فقال : نعم ، كان إقرارا منه بالألف وجرى مجرى قوله : نعم له علي ألف ، فكذلك يجب أن يكون قوله في النكاح قد قبلت بعد تقدم البذل الصريح قبولا صريحا ، فجرى مجرى قوله : قبلت نكاحها .

والثاني : إن البذل والقبول معتبر في عقد النكاح ، كاعتباره في عقد البيع ، ثم ثبت أنه لو قال البائع : بعتك عبدي هذا بألف ، فقال المشتري : قبلت ، فإن البيع قد انعقد ، وجرى ذلك مجرى قوله : قبلت هذا البيع ، ويجب أن يكون النكاح بمثابته ، قد زوجتكها ، فقال الزوج : قبلت أن ينعقد النكاح ، فجرى مجرى قوله : قبلت نكاحها ، فعلى هذا القول إذا جعلناه قبولا صحيحا يكون قبولا للنكاح والصداق جميعا : لأن القبول مطلق ، فرجع إلى ما تقدم من ذكر النكاح والصداق ، وخالف قوله : قبلت نكاحها ، حيث جعلناه راجعا إلى قبول النكاح الذي سماه دون الصداق الذي أغفله : لأن مع التسمية تصير تخصيصا ومع الإطلاق يكون عموما .

وإذا قيل بالقول الأول إن النكاح باطل ، وهو أصح القولين ، فدليله : ما قدمناه أن عقد النكاح لا يتم إلا بصريح اللفظ دون المعنى .

وقوله : قبلت ، فيه معنى التصريح ، وليس بصريح فينعقد به النكاح وجاز أن ينعقد به البيع : لأنه يتم بالصريح وبمعنى الصريح بخلاف النكاح ، وليس إطلاق جواب الصريح يكون صريحا في جميع الأحوال ، ألا ترى لو قالت امرأة لزوجها : طلقني ثلاثا ، فقال : نعم ، لم يكن ذلك صريحا في طلاقها ، وإن كان جوابا ، ولو قال : نعم أنت طالق لم تكن ثلاثا وإن سألته ثلاثا ، فلم يسلم الاستدلال بالبيع لما ذكرنا من الفرق بينهما ، ولا كان إطلاق الجواب كالصريح ، لما ذكرنا ، فأما إذا قرن النكاح بينهما بواسط من حاكم أو خطيب ، فقال للولي : زوجته فلانة ، فقال : نعم ، فقال الزوج : قبلت نكاحها ، فقال : نعم ، لم ينعقد النكاح قولا واحدا : لأن صريح اللفظ لم يؤخذ من واحد منهما .

وقال أبو حنيفة : ينعقد بناء على أصله واعتبارا بالبيع في أن رجلا لو قال للبائع بعته عبدك هذا بألف ؟ فقال : نعم ، وقال للمشتري : أشتريته بالألف ، فقال : نعم ، إن البيع منعقد ، فكذلك النكاح ، وهذا خطأ لما ذكرنا من أن معنى الصريح لا يقوم في النكاح مقام الصريح ، ويقوم في البيع مقام الصريح ، ولأن النكاح لما خالف البيع في تغليظه بالولي [ ص: 161 ] خالفه في تغليظه بصريح اللفظ دون معناه ، ولأن قوله " نعم " إقرار ، وبضع المنكوحة لا يملك بالإقرار فهذا حكم عقد النكاح بالبذل والقبول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث