الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 530 ] باب الحكم في الدخول ، وإغلاق الباب ، وإرخاء الستر ، من الجامع ، ومن كتاب عشرة النساء ، ومن كتاب الطلاق القديم

قال الشافعي - رحمه الله - : " وليس له الدخول بها حتى يعطيها المال ، فإن كان كله دينا فله الدخول بها " .

قال الماوردي : وهذا كما قال إذا امتنعت المرأة من تسليم نفسها لقبض صداقها ، لم يخل حاله من ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يكون جميعه حالا .

والثاني : أن يكون جميعه مؤجلا .

والثالث : أن يكون بعضه حالا ، وبعضه مؤجلا .

فأما القسم الأول : وهو أن يكون جميعه حالا ؛ إما بإطلاق العقد أو بالشرط ، فيكون حالا بالعقد ، والشرط تأكيد ، فلها أن تمتنع من تسليم نفسها على قبض صداقها ، كما كان لبائع السلعة أن يمتنع من تسليمها على قبض ثمنها .

فإن تطوعت بتسليم نفسها قبل قبض الصداق ، ثم أرادت بعد التسليم أن تمتنع عليه لقبض الصداق ، فهذا على ضربين :

الضرب الأول : ألا يكون قد وطئها ، فلها أن تمتنع عليه ، وإن سلمت نفسها إليه إذا لم يكن قد وطئها ؛ لأن القبض في النكاح يكون بالوطء الذي يستقر به كمال المهر دون التسليم ، وهذا متفق عليه .

والضرب الثاني : أن يكون قد وطئها بعد التسليم ، فليس لها عندنا أن تمتنع عليه .

وقال أبو حنيفة : لها الامتناع بعد الوطء ، كما كان لها الامتناع قبله ؛ احتجاجا بأن الصداق في مقابلة كل وطء في النكاح لأمرين :

أحدهما : أنه لو كان في مقابلة الأول ، لوجب للثاني مهر آخر .

والثاني : أنه لو كان في مقابلة الأول ، لجاز لها أن تمنعه نفسها بعد الأول لاستيفاء حقه به .

[ ص: 531 ] وإذا ثبت بهذين أنه في مقابلة كل وطء ، لم يكن تسليمها لبعض الحق مسقطا لحقها في منع ما بقي ، كمن باع عشرة أثواب ، فسلم أحدها قبل قبض الثمن كان له حبس باقيها ، كذلك هاهنا .

قال : ولأنها لم تستوف مهرها مع استحقاق المطالبة ، فجاز لها أن تمتنع من تسليم نفسها قياسا على ما قبل الوطء .

ودليلنا : هو أنه تسليم رضا استقر به العوض ، فوجب أن يسقط به حق الإمساك قياسا على تسليم المبيع ، ولأن أحكام العقد إذا تعلقت بالوطء اختصت بالوطء الأول ، وكان ما بعده تبعا ، وقد رفع الوطء الأول حكم الإمساك في حقه ، فوجب أن يرفعه في حق تبعه كالإحلال .

فأما استدلالهم بأن المهر في مقابلة كل وطء : فنقول : قد استبيح به كل وطء ، لكنه قد استقر بالوطء الأول ، فقام فيه مقام كل وطء ، ألا تراها لو ارتدت بعد الوطء الأول لم يؤثر في سقوط المهر ، وإن لم يستوف كل وطء في النكاح ، ولو عادت إلى الإسلام حل له وطؤها بالمهر المتقدم .

وأما قياسهم على ما قبل الوطء الأول : فالمعنى في الأصل أنها لم تسلم ما استقر به المهر ، فجرى مجرى البيع قبل التسليم ، وليس كذلك بعد الوطء ؛ لأنها قد سلمت ما استقر به المهر ، فجرى مجرى المبيع بعد التسليم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث