الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الواجب الثالث : الخادم . النساء صنفان ، صنف لا يخدمن أنفسهن في عادة البلد ، بل لهن من يخدمهن ، فمن كانت منهن ، فعلى الزوج إخدامها على المذهب وبه قطع الجمهور . وقيل في وجوب الخادم قولان ، وسواء في وجوب الإخدام كان الزوج معسرا أو موسرا أو مكاتبا أو عبدا ، والاعتبار بالمرأة في بيت أبيها . فلو ارتفعت بالانتقال إلى الزوج الخادم ، لم يجب ، صرح به في تعليق الشيخ أبي حامد . والواجب خادم واحد وإن ارتفعت مرتبتها ، ولا يلزمه تمليكها جارية ، بل الواجب إخدامها بحرة أو أمة مستأجرة أو مملوكة ، أو بالاتفاق على من صحبتها من حرة أو أمة ، ويشترط كون الخادم امرأة أو صبيا ، أو محرما لها ، وفي مملوكها والشيخ الهرم اختلاف ، وفي الذمية وجهان ، لأن النفس تعاف استخدامها ، ثم إن أخدمها بمستأجرة ، فليس عليه إلا الأجرة ، وإن أخدمها مملوكته ، فعليه نفقتها بالملك ، وإن أخدمها بكفاية من صحبتها من حرة أو أمة فهذا موضع نفقة الخادم . والقول في جنس طعامها كهو في جنس طعام المخدومة ، وأما قدره ، فقيل : لا يختلف باختلاف حال الزوج ، بل يجب مد مطلقا . والصحيح أنه يختلف ، فعلى المعسر مد ، والموسر مد وثلث ، والمتوسط مد على الصحيح ، وقيل : مد وثلث ، وقيل : مد وسدس . وفي استحقاق الخادم الأدم وجهان : أحدهما : لا ويكتفى بفضل المخدومة . والصحيح : نعم . فعلى هذا جنسه جنس أدم المخدومة ، وفي نوعه وجهان : أحدهما كالمخدومة ، وأصحهما وهو نصه دون نوع أدم المخدومة ، وطرد الوجهان في نوع [ ص: 45 ] الطعام ، وفي استحقاق الخادم اللحم وجهان ، ثم قدر أدمها بحسب الطعام .

فرع

قالت : أنا أخدم نفسي ، وطلبت الأجرة ، أو نفقة الخادم ، لا يلزمه ، وأشار الغزالي إلى خلاف فيه ، فعلى المذهب ، لو اتفقا على ذلك ، قال المتولي : هو على الخلاف في الاعتياض عن النفقة ، ولو قال الزوج : أنا أخدمها لتسقط مؤنة الخادم ، فليس له ذلك على الأصح ، لأنها تستحي منه ، وتعير به ، وقيل : له ذلك ، وبه قال أبو إسحاق ، واختاره الشيخ أبو حامد ، وقال القفال وغيره : له ذلك فيما لا يستحى منه كغسل الثوب ، واستقاء الماء ، وكنس البيت والطبخ ، دون ما يرجع إلى خدمة نفسها كصب الماء على يدها ، وحمله إلى المستحم ونحوهما وفي هذا تصريح بأن هذين النوعين من وظيفة الخادم . وعلى هذا إذا تولى بنفسه ما لا يستحى منه ، فقد تولى عمل الخادم ، فهل تستحق تمام النفقة ، أم شطرها ، أم توزع على الأفعال ؟ فيه أوجه ، وهذا فيه كلامان ، أحدهما : ذكر أبو الفرج الزاز أن الذي يجب على الزوج كفايته في حق المخدومة الشريفة الطبخ والغسل ونحوهما دون حمل الماء إليها للشرب وحمله إلى المستحم ، لأن الترفع عن ذلك رعونة لا عبرة بها . الثاني : قال البغوي يعني بالخدمة ما هو حاجتها ، كحمل الماء إلى المستحم ، وصبه على يدها ، وغسل خرق الحيض ونحوها ، فأما الطبخ والكنس والغسل ، فلا يجب شيء منها على المرأة ، ولا على خادمها ، بل هو على الزوج إن شاء ، فعله بنفسه ، وإن شاء بغيره ، فالكلامان متفقان على أنه لا يتوظف النوعان على خادم المرأة ، والاعتماد من الكلام على ما ذكره البغوي .

قلت : الذي أثبته الزاز من الطبخ والغسل ونحوهما هو فيما يختص بالمخدومة ، والذي نفاه البغوي منهما هو فيما يختص بالزوج [ ص: 46 ] كغسل ثيابه ، والطبخ لأكله ونحوه ، والطرفان متفق عليهما ، فلا خلاف بين الجميع في ذلك . والله أعلم .

فرع

تنازعا في تعيين الخادم التي تخدمها من جواريه أو من يستأجرها فهل المتبع اختيار المخدومة لأن الخدمة لها ، وقد تكون التي عينتها أرفق بها وأسرع موافقة ، أم المتبع اختيار الزوج لأن الواجب كفايتها ؟ فيه وجهان ، الصحيح الثاني هذا في الابتداء ، أما إذا أخدمها خادما وألفتها ، أو كانت حملت معها خادما ، فأراد إبدالها ، فلا يجوز ، لأنها تتضرر بقطع المألوف إلا إذا ظهرت ريبة أو خيانة ، فله الإبدال .

فرع

لو أرادت استخدام ثانية وثالثة من مالها ، فللزوج منعهن دخول داره ، وكذا لو حملت معها أكثر من واحدة ، فله أن يخرج من داره من زاد على واحدة ، وله أن يمنع أبويها من الدخول عليها ، وله أن يخرج ولدها من غيره إذا استصحبته .

فرع

إذا كانت المنكوحة رقيقة ، لكنها جميلة تخدم في العادة ، لم يجب إخدامها على المذهب ، وبه قطع الأكثرون لنقصها ، وقيل : وجهان ، ثانيهما يجب للعادة .

فرع

المبتوتة الحامل هل تستحق نفقة الخادم ؟ وجهان بناهما ابن المرزبان على أن نفقتها للحمل أم للحامل ، إن قلنا : للحامل ، وجبت وإلا فلا . الصنف الثاني من تخدم نفسها في العادة فينظر إن احتاجت إلى الخدمة لزمانة أو مرض ، لزم الزوج إقامة من يخدمها ويمرضها ، وإذا لم تحصل [ ص: 47 ] الكفاية بواحدة ، لزمه الزيادة بحسب الحاجة ، وسواء هنا كانت الزوجة حرة أو أمة ، هذا ما أطلقه الشافعي وجمهور الأصحاب - رحمهم الله - في المرض ، ومنهم من فصل فقال : إن كان المرض دائما ، وجب الإخدام ، وإلا فلا ، وعلى هذا جرى الآخذون عن الإمام ، وإن لم يكن عذر محوج إلى الخدمة ، فليس عليه الإخدام ، ولو أرادت أن تتخذ خادما من مالها فله منعه من دخول داره ، قال المتولي : وعلى الزوج أن يكفيها حمل الطعام إليها ، والماء إلى المنزل ، وشبه ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث