الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الطرف الثاني : في كيفية الإنفاق ، في هذه الواجبات هي ضربان : الأول : ما ينتفع به باستهلاكه كالطعام وفيه مسائل : إحداها : يجب التمليك في الطعام والأدم ، وما يستهلك من آلة التنظف كالدهن والطين ، وإذا أخذت نفقتها فلها التصرف فيها بالإبدال والبيع والهبة وغيرها ، لكن لو قترت على نفسها بما يضرها فله منعها . ونفقة الخادم يجب فيها التمليك أيضا ، قاله الأصحاب ، وقد سبق أن موضع وجوب نفقة الخادم إذا أخدمها بمملوكتها أو بحرة غير مستأجرة ، فإن كانت مملوكتها ، فيملكها نفقتها كما يملكها نفقة نفسها ، وإن كانت حرة فيجوز أن يقال : يملكها نفقتها كما يملك الزوجة ، وتستحق المرأة المطالبة بذلك لتوفر حق الخدمة ، ويجوز أن يقال : يملك الزوجة لتدفعها إلى الخادمة وعلى هذا لها أن تتصرف في المأخوذ ، وتكفي مؤنة الخادمة من مالها .

المسألة الثانية : لو قبضت الزوجة النفقة ، فتلفت أو سرقت ، لا يلزمه إبدالها .

[ ص: 53 ] الثالثة : الذي يجب تمليكه من الطعام الحب كما في الكفارة لا الخبز والدقيق ، فلو طلبت غير الحب ، لم يلزمه ، ولو بذل غيره ، لم يلزمها قبوله ، وهل عليه مع الحب مؤنة طحنه وخبزه ؟ أوجه : أحدها : لا كالكفارة ، وبه قطع ابن كج . والثاني : إن كانت من أهل القرى الذين عادتهم الطحن والخبز بأنفسهم فلا ، وإلا فنعم ، وبه قال الماوردي ، وأصحها : الوجوب مطلقا ، لأنها في حبسه بخلاف الكفارة ، وعلى هذا تجب مؤنة طبخ اللحم وما يطبخ به . ولو باعت الحب ، أو أكلته حبا ، ففي استحقاقها مؤنة إصلاحه احتمالان للإمام .

الرابعة : ليس له تكليفها الأكل معه لا مع التمليك ولا دونه .

الخامسة : لو كانت تأكل معه على العادة ، ففي سقوط نفقتها وجهان ، أقيسهما وهو الذي ذكره الروياني في " البحر " : لا تسقط وإن جريا على ذلك سنين ، لأنه لم يؤد الواجب وتطوع بغيره . والثاني : تسقط فإنه اللائق بالباب . قال الغزالي : وهذا أحسنهما لجريان الناس عليه في الأعصار ، واكتفاء الزوجات به ، ولأنها لو طلبت النفقة للزمن الماضي والحالة هذه لاستنكر ، وبنى بعضهم هذا على المعاطاة ، إن جعلناها بيعا برئت ذمته عن النفقة ، وإلا فلا ، وعليها غرامة ما أكلت ، ثم الوجهان في الزوجة البالغة ، أو صغيرة أكلت معه بإذن القيم ، فأما إذا لم يأذن القيم ، فالزوج متطوع ، ولا تسقط نفقتها بلا خلاف .

قلت : الصحيح من الوجهين سقوط نفقتها إذا أكلت معه برضاها وهو الذي رجحه الرافعي في " المحرر " وعليه جرى الناس من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعده من غير نزاع ولا إنكار ولا خلاف ولم ينقل أن امرأة طالبت بنفقة بعده ، ولو كانت لا تسقط مع علم النبي [ ص: 54 ] - صلى الله عليه وسلم - بإطباقهم عليه لأعلمهم بذلك ، واقتصه من تركة من مات ولم يوفه وهذا مما لا شك فيه . والله أعلم .

السادسة : لو تراضيا باعتياضها عن النفقة دراهم أو دنانير أو ثيابا ونحوها ، جاز على الأصح . ولو اعتاضت خبزا أو دقيقا أو سويقا فالمذهب أنه لا يجوز ، وهو الذي رجحه العراقيون والروياني وغيره لأنه ربا ، وقطع البغوي بالجواز لأنها تستحق الحب وإصلاحه وقد فعله ، ولا يجوز الاعتياض عن نفقة زمن مستقبل ، ولا بيع نفقة حالة لغير الزوج قبل قبضها قطعا .

السابعة : النفقة تستحق يوما فيوما ولها المطالبة بها إذا طلع الفجر كل يوم كذا قاله الجمهور وفي " المهذب " إذا طلعت الشمس . ولو قبضت نفقة يوم ، ثم ماتت ، أو أبانها في أثناء النهار لم يكن له الاسترداد ، بل المدفوع لورثتها لوجوبه بأول النهار . ولو ماتت أو أبانها في أثناء النهار ولم تكن قبضت نفقة يومها كانت دينا عليه . وفي كتاب ابن كج له الاسترداد ، والصحيح الأول وبه قطع الجمهور . ولو نشزت في النهار ، فله الاسترداد قطعا ، ولو قبضت نفقة أيام أو شهر فهل تملك الزيادة على نفقة اليوم ؟ وجهان : أحدهما : لا للشك في استمرار الاستحقاق . وأصحهما : نعم ، كالأجرة والزكاة المعجلة ، فعلى هذا لو نشزت ، استرد نفقة المدة الباقية ، وإن ماتت ، أو أبانها ، استرد أيضا على الأصح كالزكاة المعجلة ، وقيل : لا ، لأنها صلة مقبوضة . وإذا قلنا : لا تملك إلا نفقة يوم ، فكلما دخل يوم ملكت نفقته .

الثامنة : نفقة الخادم في وقت وجوب التسليم ، وفي استرداد المدفوع إليها كنفقة المخدومة بلا فرق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث