الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فصل

فيما يباح بالإكراه .

الإكراه على القتل المحرم لا يبيحه ، بل يأثم بالاتفاق إذا قتل ، وكذا لا يباح الزنى بالإكراه ، ويباح بالإكراه شرب الخمر والإفطار في رمضان ، والخروج من صلاة الفرض ، وإتلاف مال الغير ، ويباح أيضا كلمة الكفر ، وفي وجوب التلفظ بهما وجهان ، أحدهما : نعم حفظا لنفسه ، كما يجب أكل الميتة للضرورة .

والثاني - وهو الصحيح : لا يجب للأحاديث الصحيحة في الحث على الصبر على الدين ، واقتداء بالسلف ، فعلى هذا : الأفضل أن يثبت ولا يتلفظ ، وإن قتل .

وقيل : إن كان ممن يتوقع منه النكاية في العدو ، أو القيام بأحكام الشرع ، فالأفضل أن يتلفظ ، وإلا ، فالأفضل الامتناع ، ولا يجب شرب الخمر عند الإكراه على الصحيح ، ويمكن أن يجيء مثله في الإفطار في رمضان ، ولا يكاد يجيء في الإكراه على إتلاف المال .

ثم إذا أتلف مال غيره بالإكراه ، فللمالك مطالبة المكره الآمر بالضمان ، وفي مطالبة المأمور وجهان .

أحدهما : لا يطالب ، لأنه إتلاف مباح له بالإكراه ، وأصحهما : يطالب ، لكنه يرجع بالمغروم على الآمر ، هذا هو المذهب ، وقيل : إن الضمان على المأمور ، ولا رجوع له ، وقيل : يتقرر الضمان عليهما بالسوية ، كالشريكين ، والقول في جزاء الصيد إذا قتله المحرم مكرها ، كالقول في ضمان المال .

[ ص: 143 ] فرع .

ذكره الرافعي في مسائل منثورة قبل كتاب الديات . يجوز للمكره على إتلاف مال ، ولصاحب المال دفع المكره بما أمكنهما ، وليس لصاحب المال دفع المكره ، بل يلزمه أن يقي روحه بماله ، كما يناول المضطر طعامه .

فصل

إذا أنهشه حية ، أو ألدغه عقربا يقتل غالبا ، فقتلته ، وجب القصاص ، وإن لم يقتل غالبا ، فهل هو عمد ، أم شبه عمد ؟ قولان ، أظهرهما : الثاني ، وإن لم ينهشها ، ولكن ألقى الحية عليه ، أو ألقاه عليها ، أو قيده وطرحه في موضع فيه حيات وعقارب ، فقتلته ، فلا قصاص ولا ضمان ، سواء كان الموضع واسعا أو ضيقا ، لأنه لم يلجئها إلى قتله ، بل هي قتلته باختيارها ، فهو كالممسك مع القاتل .

ولو عرضه لافتراس سبع يقتل غالبا ، كالأسد والنمر والذئب ، وهدفه له حتى صار السبع كالمضطر إلى قتله ، لزمه القصاص ، نص عليه ، فإن كان السبع مما لا يقتل غالبا ، فهو كالحية التي لا تقتل غالبا ، وإن أرسل عليه السبع ، أو أغرى به كلبا عقورا في موضع واسع كالصحراء ، فقتله ، أو طرحه في مسبعة أو بين يدي سبع في الصحراء مكتوفا ، أو غير مكتوف ، فقتله ، فلا قصاص ولا ضمان ، سواء كان المطروح صغيرا أو كبيرا .

لأنه لم يلجئه إلى قتله ، والذي وجد منه ليس بمهلك ، وهو كالممسك مع القاتل ، وفي الصبي وجه ، أنه يجب الضمان ، ولو أغراه به في موضع ضيق ، أو حبسه معه في بئر ، أو بيت ، فقتله ، وجب القصاص ، مكتوفا كان أو غير مكتوف ، لأنه إلجاء السبع إلى قتله ، وليس السبع كالحية ، [ ص: 144 ] حيث لم يفرق فيها بين الموضع الواسع والضيق ، لأن الحية تنفر من الآدمي ، والسبع يقصده في المضيق ويتوثب .

وفي الموضع الواسع لا يقصده قصده في المضيق ، إنما يقصده دفعه ويمكن التحرز منه والفرار ، فهذا هو المنصوص ، والمذهب ، وبه قطع الجمهور .

وعن القاضي حسين أن الحية إن كانت تقصد ولا تنفر ، فهي كالسبع ، وأنها أنواع مختلفة الطباع ، وأن السبع إذا كان ضاريا شديد العدو ولا يتأتى الهرب منه في الصحراء .

وجب القصاص ، وجعل الإمام هذا بيانا لما أطلقه الأصحاب واستدراكا ، وأما البغوي وغيره فجعلوا المسألة مختلفا فيها ، وحكى ابن كج قولا أنه لو جمع بينه وبين حية في بيت ، وجب القصاص كالسبع ، وقولا أنه لا يجب في السبع ، وهما غريبان .

وحيث أوجبنا القصاص في الحية والسبع فذلك إذا قتل في الحال ، أو جرح جراحة تقتل غالبا ، أما إذا جرحه جرحا لا يقتل مثله غالبا ، فهو شبه عمد ، وكأن تلك الجراحة صدرت من المغري .

وإذا أمكن المغرى عليه الفرار ، فلم يفر ، قال الإمام : هو كترك السباحة ، والمجنون الضاري في ذلك كالسبع ، ولو ربط في داره كلبا عقورا ، ودعا إليها رجلا ، فافترسه الكلب ، فلا قصاص ولا ضمان .

ولم يجعل على الخلاف السابق في حفر البئر في الدهليز وتغطية رأسها ، لأن الكلب يفترس باختياره ، ولأنه ظاهر يمكن دفعه بعصا وسلاح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث