الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب .

تغير حال المجروح بين الجرح والموت .

للتغير أحوال :

أحدها : أن يطرأ المضمن وفيه مسائل : إحداها : إذا جرح مرتدا أو حربيا بقطع يد أو غيره ، ثم أسلم ، أو عقدت للحربي ذمة ، ثم مات من تلك الجراحة ، فلا قصاص قطعا ، ولا دية على الصحيح المنصوص .

وقيل : لا دية قطعا ، لأنه قطع غير مضمون ، فلم تضمن سرايته ، كسراية القصاص والسرقة .

الثانية : جرح حربي مسلما ، ثم أسلم ، أو عقدت له ذمة ، ثم مات المجروح ، قطع البغوي بأنه لا ضمان ، ونقل بعضهم لزوم الضمان ، لأنه مضمون في الحالين .

قلت : الصحيح : لا ضمان . والله أعلم .

الثالثة : جرح عبد نفسه ، ثم أعتقه ، فمات بالسراية ، فلا ضمان على السيد على المذهب والمنصوص .

وقيل : قولان ، ثانيهما : وجوب الدية .

الرابعة : رمى مرتدا أو حربيا ، فأسلم ، ثم أصابه السهم ، فلا [ ص: 168 ] قصاص لعدم الكفاءة في أول أجزاء الجناية ، وتجب الدية على المذهب وهو المنصوص ، وقيل : لا تجب ، وقيل : تجب في المرتد دون الحربي ، لأن المرتد لا يجوز لغير الإمام قتله ، ولأن المرتد يقتل بالسيف ولا يرشق بالنشاب ، فرشقه ممنوع .

ويجري الخلاف فيما إذا رمى إلى قاتل أبيه ، ثم عفا عنه قبل الإصابة ، وهو أولى بالوجوب من المرتد ، وفيما إذا رمى إلى عبد نفسه ، ثم أعتقه قبل الإصابة ، وهو أولى بالوجوب ، لأن العبد معصوم مضمون بالكفارة .

الخامسة : حفر بئرا في محل عدوان ، فتردى فيها مسلم كان مرتدا وقت الحفر ، أو حر كان عبدا ، وجبت الدية بلا خلاف ، لأن الحفر ليس سببا ظاهرا للإهلاك ، ولا يتوجه نحو معين فلا يؤثر وجوده في زمن الإهدار بخلاف الرمي .

فرع .

لو تغير حال الرامي ، بأن رمى حربي إلى مسلم ، ثم أسلم قبل الإصابة ، ففي وجوب الضمان وجهان .

فرع .

إذا قلنا بوجوب الضمان فيما إذا جرح حربيا ، فأسلم ثم مات ، وفيما إذا جرح عبد نفسه ، ثم أعتقه فمات ، فالواجب دية حر مسلم ، وكذلك في مثلهما من صور الرمي .

ثم الذي رأى الإمام القطع به وتابعه عليه الغزالي أن الدية في طريان الإسلام والعتق بعد الجرح تكون مخففة ، وعلى العاقلة ، كما لو رمى إلى صيد ، فأصاب آدميا ، وأما في طريانهما بعد الرمي ، ففي الدية الواجبة خلاف مذكور في الديات .

الحال الثاني : أن يطرأ المهدر ، فإذا جرح مسلما ، ثم ارتد ، ثم مات بالسراية ، أو ذميا ، فنقض العهد ، ثم مات ، فلا يجب قصاص النفس ، ولا ديتها ، ولا الكفارة ، لأنها تلفت وهي مهدرة ، وأما ما يتعلق بالجراحة ، ففيه صورتان ، إحداهما : أن تكون الجراحة مما يوجب القصاص ، [ ص: 169 ] كالموضحة وقطع اليد ، ففي وجوب القصاص في الموضحة والطرف ، قولان ، أظهرهما : الوجوب .

فعلى هذا قال الشافعي رحمه الله في " المختصر " : لوليه المسلم أن يقتص ، فقيل : أراد بالولي ، السلطان ، لأنه وارث للمرتد ، وقال الجمهور : يستوفيه قريبه الذي كان يرثه لولا الردة ، لأن القصاص للتشفي ، وذلك يتعلق بالقريب دون السلطان فعلى هذا لو كان القريب صغيرا أو مجنونا انتظر بلوغه وإفاقته ليستوفي .

الصورة الثانية : أن تكون الجراحة موجبة للمال دون القصاص ، كالجائفة والهاشمة ، أو من جنس ما يوجب القصاص ، وقلنا : لا قصاص ، أو عفي عنه ، فهل يجب المال ؟ وجهان ، ويقال : قولان ، أصحهما : الوجوب .

فعلى هذا فيما يجب وجهان ، أصحهما ويحكى عن النص : أنه يجب أقل الأمرين من الأرش الذي تقتضيه الجراحة ودية النفس ، والثاني ، وبه قال الإصطخري : يجب أرش الجراحات بالغا ما بلغ ، فيجب فيما إذا قطع يديه ورجليه ديتان ، وعلى كل حال فالواجب فيء لا يأخذ القريب منه شيئا .

هذا إذا طرأت الردة بعد الجرح ، فلو طرأت بعد الرمي وقبل الإصابة ، فلا ضمان باتفاقهم .

فرع .

قطع يده ، ثم ارتد المقطوع ، واندمل جرحه ، فله قصاص اليد ، فإن مات قبل أن يقتص ، اقتص وليه ، ومن الولي ؟ فيه الخلاف السابق .

فإن كانت الجناية توجب المال ، قال البغوي : إن قلنا : ملكه باق ، أخذه ، وإن قلنا : زائل ، وقف ، فإن عاد إلى الإسلام ، أخذه ، وإلا ، أخذه الإمام .

الحال الثالث : أن يتخلل المهدر بين الجرح والموت ، فإذا جرح مسلم مسلما ، ثم ارتد المجروح ، ثم أسلم ومات بالسراية ، وجبت الكفارة قطعا ، وأما القصاص ، فنص أنه لا يجب ، ونص فيما إذا جرح ذمي ذميا ، [ ص: 170 ] أو مستأمنا فنقض العهد ، والتحق بدار الحرب ، ثم جدد العهد ، ومات بالسراية ، أن في وجوب القصاص قولين ، وللأصحاب طريقان ، أصحهما في المسألتين ، قولان .

أحدهما : وجوب القصاص ، لأنه مضمون بالقصاص في حالتي الجرح والموت ، والثاني : لا ، لتخلل حالة الإهدار ، والطريق الثاني : تنزيل النصين على حالين ، فحيث قال : لا قصاص ، أراد إذا طالت مدة الإهدار ، بحيث يظهر أثر السراية ، وحيث قال : يجب ، فذلك إذا قصرت المدة بحيث لا يظهر للسراية أثر ، وإذا قلنا بطريقة القولين ، ففي موضعهما طريقان .

أحدهما : تخصيصهما بما إذا قصرت المدة ، فإن طالت ، لم يجب القصاص قطعا ، والثاني : طردهما في الحالين قاله ابن سريج وابن سلمة وابن الوكيل .

والأصح عند الجمهور : تخصيص القولين بقصر المدة ، والأظهر منها عند الجمهور ، أنه لا قصاص ، وأما الدية ، ففيها أقوال ، أظهرها عند الجمهور : يجب كمال الدية ، والثاني : نصفها ، والثالث : ثلثاها ، والرابع : أقل الأمرين من كل الدية وأرش الجراحة ، وهذان الأخيران مخرجان .

ثم قال الجمهور : تختص الأقوال بما إذا طالت مدة الإهدار ، فإن قصرت ، وجب كل الدية قطعا ، وقيل بطردها في الحالين ، قال الإمام : وإذا أوجبنا القصاص ، فآل الأمر إلى المال ، ففيه هذا الخلاف .

وقال البغوي : إذا أوجبنا القصاص ، فعفي ، وجب كمال الدية بلا خلاف ، وإنما الخلاف إذا لم نوجب قصاصا ، وهذا أرجح .

فرع .

رمى إلى مسلم فارتد وعاد إلى الإسلام ، ثم أصابه السهم ، فلا قصاص على المذهب ، وبه قطع الجمهور .

قال الإمام : ويجيء فيه قول .

الحال الرابع : أن يطرأ ما يغير قدر الدية ، فيجب ما يقتضيه يوم الموت ، لأن الضمان بدل التالف ، فيعتبر وقت التلف ، وقد يكون التغير [ ص: 171 ] من الأكثر إلى الأقل ، وقد ينعكس .

مثال الأول : جنى على نصراني ، فتمجس ثم مات ، فإن قلنا : يقر النصراني إذا تمجس على التمجس ، فعلى الجاني دية مجوسي ، وإن قلنا : لا يقر ، فهو كما لو ارتد المجروح ومات .

فعلى الأصح : يجب الأقل من أرش الجناية على نصراني ودية نفسه ، وعلى قول الإصطخري : يجب الأرش بالغا ما بلغ ، ولو جرح نصرانيا ، فنقض المجروح العهد ، والتحق بالحرب ، ثم سبي واسترق ، ومات بالسراية ، فلا قصاص في النفس .

ويجب قصاص الطرف إن كانت الجناية بقطع طرف ، وإن أراد المستحق المال ، ففيما يجب ، قولان .

أحدهما : أقل الأمرين من أرش جنايته حرا ، وكمال قيمته عبدا ، وعلى هذا هو لورثته النصارى ، سواء كانوا عندنا أم في دار الحرب ، كذا حكاه ابن كج والروياني ، وفي قول غريب ، يكون لبيت المال .

قلت : قد جزم البغوي على هذا القول بأنه لسيده ، لأنه بدل روحه وكانت ملكه . والله أعلم .

وأظهرهما : أن الواجب قيمته بالغة ما بلغت ، وعلى هذا إن كانت القيمة أقل ، فالواجب للوارث ، وإن كان القيمة أكثر ، فقدر الأرش للوارث ، والباقي للسيد ، ولو أن الذي ملكه أعتقه ، فمات حرا فقولان في أن الواجب أقل الأمرين من الأرش ودية حر ذمي .

وعلى القولين فالواجب لورثته ، ولو أسلم وعتق ومات ، ففي القصاص قولان ، وفي المال الواجب قولان .

هل هو دية حر مسلم ، أم أقل الأمرين من الأرش ودية حر مسلم ؟ وعلى القولين ، فهو لورثته المسلمين .

مثال العكس : جرح ذميا ، فأسلم ، أو عبدا لغيره ، فعتق ، ثم مات ، نظر ، إن مات بعد الاندمال ، وجب أرش الجناية ، ويكون الواجب في العبد لسيده ، فلو قطع يديه ، أو فقأ عينيه ، لزمه كمال قيمته ، سواء كان العتق قبل الاندمال أم بعده .

وقيل : إن كان الاندمال [ ص: 172 ] بعد العتق ، فعليه دية حر ، والصحيح الأول ، وإن مات بالسراية ، لم يجب قصاص النفس إذا كان جارح الذمي مسلما ، وجارح العبد حرا ، وتجب فيه دية حر مسلم ، لأنه كان مضمونا أولا ، وهو في الانتهاء حر مسلم ، ولا فرق بين أن تكون القيمة أقل من الدية ، أو أكثر ، حتى لو فقأ عيني عبد قيمته تساوي مائتين من الإبل ، أو قطع يديه ، لم يجب إلا مائة .

ثم إن كانت الدية مثل القيمة أو أقل ، فالجميع للسيد ، وإن كانت أكثر ، فالزيادة على القيمة للورثة ، لأنها وجبت بالحرية ، وقال المزني : إذا كانت القيمة أكثر ، وجبت بكمالها للسيد ، ولو قطع إحدى يدي عبد ، فعتق ومات بالسراية ، أوجبنا كمال الدية ، وفيما للسيد منها قولان .

أحدهما : أقل الأمرين من كل الدية ، وكل القيمة ، وأظهرهما : أقل الأمرين من كل الدية ، ونصف القيمة ، وهو أرش الطرف المقطوع في ملكه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث