الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

أثر الخلاف في المسائل الفقهية من حيث الإنكار وعدمه

البحث عن الخلاف، وطبيعته، وأسباب حدوثه، وآدابه ليس مجال هـذا البحث، الذي يهتم بتناول الخلاف من حيث إنه حدث واقع ظاهر في حياة المسلمين العلمية في الميدان الشرعي، ولا بد من شرح مبسط لقاعدة البحث قبل الدخول في مناقشتها باعتبارها وضعت (قننت) حكما عند حدوث الاختلاف، وأرشدت إلى معالم لاستيعاب الخلاف، سارت عليها الحياة الفقهية عند الأمة الإسلامية.

فقد تضمنت هـذه القاعدة: ( لا إنكار في مسائل الخلاف ) عدة معالم علمية وفقهية، وأرست عدة مبادئ للجدل والحوار بحسب ظاهر لفظها ومفهومها، منها:

1 - أرست مبادئ للحوار والمناظرة بين المختلفين، يقف على رأسها حسن الظن بالمخالف، وعدم الإنكار عليه باليد... أما الإنكار عليه نصحا، أو مناظرة، أو مشـاورة، أو مباحـثة، أو تخطـئة على نتيجة الاجتهاد مع أدب القول... فهذا كان دأب أهل العلم في كل خلاف مذ كان عهد النبي صلى الله عليه وسلم . [ ص: 61 ] 2 - لا يسري النهي عن المنكر فيما اخـتلف فـيه الفقهاء ما دام لم يخالف نصا ولا إجماعـا ولا قياسـا جليـا. والقيد هـنا قد أشـار إليه واضعو القاعدة.

3 - الأصل في الخلاف بين المسلمين التماس العذر للمخالف، وإحسان الظن به، ولذا لا يسري إليه الإنكار باليد، وإنما يتم الحجاج العلمي معه.

4 - قسمت هـذه القاعدة الأحكام الشرعية إلى قسمين: محكمات قطعية ، ومسائل فرعية ؛ وذلك حتى يتسنى لكل ناظر في الفقه الإسلامي أن يفرق بين النوعين من حيث أهميتهما، وحكم تركهما أو فعلهما.

5 - خضوع كل من يخالف في محكمات الشريعة للإنكار عليه، بحسب مفهوم القاعدة.

6 - المحكمات الشرعية هـي أساس الدين وجوهره، وعليها مدار اتفاق المسلمين، ويجب حراستها بالإنكار على الخارج عليها، بحسب مستوى الإنكار اللائق به.

7 - لا يخرج عن طائلة الإنكار والنقد فيها أيا كان، مهما جل قدره، أو عظمت مكانته، فالعبرة في النظر للفعل لا للفاعل.

ولكن هـذه القاعدة -بحسب ظاهرها- جعلت الخلاف حكما ومرجعا يعتمد عليه: فعند حدوث نقاش في مسألة فقهية اختلفت فيها الأنظار، وأراد كل طرف أن يظهر ترجيح أحدها، فإن كل طرف ملزم بأن يتحاكم إلى هـذه القاعدة، والحكم هـو ألا تنكر الرأي الآخر مهما ظهر أن النص ضده أو معه، أو أن الرجحان رفعه أو وضعه. وهذا بحسب ظاهرها.

كما حوت -بحسب ظاهرها أيضا- نفيا بمنطوقها، وإثباتا [ ص: 62 ] بمفهومها: فنفت الإنكار في المسائل المختلف فيها، وأثبتت الإنكار في المسائل المتفق عليها.

الإشكالات المتبقية في فهم هـذه القاعدة ما يلي:

وتبقى هـناك إشكالات أخرى، من مثل:

1 - ما المراد بالإنكار المنفي هـنا؟ هـل هـو الإنكار باليد أم باللسان؟

2 - هـل المراد الإنكار الواجب أم المستحب؟

3 - حال كونه باليد، فكيف تكون عبارة المنكر باللسان؛ لينا ورفقا؟

4 - وهل تجوز بعد ذلك المباحثة والمناقشة والإقناع بين الطرفين إذا كان النفي متوجها لجميع أساليب الإنكار من يد ولسان؟

5 - وهل يؤخذ بظاهر لفظها، فيجعل خطابا عاما للعالم فيخاطب به المسلمون وغيرهم، في المسائل العلمية والعملية، الأصلية والفرعية؟

6 - هـل كل المسائل المختلف فيها لا تنكر بأي أسلوب من أساليب الإنكار؟

لقد أردت بطرح هـذه التساؤلات منع المسارعة في أخذ القاعدة على ظاهرها وإطلاقها؛ ولتكون مدخلا لبحث القضايا الرئيسة في مدلولاتها.

وعند النظر في عبارات أهل العلم يظهر جليا أن الإطلاق في القاعدة ليس على ظاهره، فقد اتفقوا على التذكير بالإنكار على المخطئ في المسائل المختلف فيها في الجملة؛ لانتماء التذكير بالإنكار إلى عدد من القطعيات الشرعية، ولكن عباراتهم اختلفت في تفصيل المعيار الصحيح الدقيق للإنكار في المختلف فيه، كما يأتي تفصيله. [ ص: 63 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث