الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      صفحة جزء
      ( فصل ) : والقول ( الثاني ) : وهو إضافة الفعل والانفعال كلاهما إلى الله - عز وجل - هو قول الجبرية الغلاة الجفاة ، الذين يقولون : إن العبد مجبور على أفعاله ، مقسور عليها كالسعفة يحركها الريح العاصف وكالهاوي من أعلى إلى أسفل ، وأن تكليف الله - سبحانه وتعالى - عباده من أمرهم بالطاعات ونهيهم عن المعاصي ، كتكليف الحيوان البهيم بالطيران ، وتكليف المقعد بالمشي ، وتكليف الأعمى بنقط الكتاب ، وأن تعذيبه إياهم على معصيتهم إياه هو تعذيب لهم على فعله لا على أفعالهم ، وأن ذلك كتعذيب الطويل لم لم يكن قصيرا ، والقصير لم لم يكن طويلا ، والأسود لم لم يكن أبيض ، والأبيض لم لم يكن أسود ، فسلبوا العبد قدرته واختياره ، وأخرجوا عن أفعال الله تعالى وأحكامه حكمها ومصالحها ، ونفوا عن الله تعالى حكمته البالغة ، وجحدوا حجته الدامغة ، وأثبتوا عليه تعالى الحجة لعباده ، ونسبوه تعالى إلى الظلم وطعنوا في عدله وشرعه ، فلا قيام عندهم لسوق الجهاد ، ولا معنى لإقامة الحدود ولا للثواب والعقاب ، بل ولا لإرسال الرسل والكتب إلا التكليف في غير وسع وتحميل مالا يطاق ، والظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين عباده محرما ، فأقاموا عذر إبليس اللعين وعذر فرعون وهامان وقارون وسائر الأمم العصاة الممقوتين المقبوحين المغضوب عليهم المخسوف بهم المعدة لهم جهنم وساءت مصيرا ، وأن غضب الله عليهم ولعنه وعقابه إياهم على فعله لا على أفعالهم ، بل قالوا إنه عاقبهم ومقتهم على طاعتهم إياه ; لأنهم إن كانوا خالفوا شرعه ، فقد أطاعوا إرادته ومشيئته . هذا معنى إثبات القدر عند هذه الفرقة الإبليسية ، وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - كثيرا [ ص: 947 ] من عباراتهم التي لا يستطيع المؤمن حكايتها ، لولا أن الله تعالى حكى في كتابه أقوال الكفار قبحهم الله ، فمن ذلك قول بعضهم :


      ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء

      .

      وقول آخر ، قبحه الله :


      دعاني وسد الباب عني فهل إلى     دخولي سبيل بينوا لي قضيتي

      .

      وقول كافر آخر ، فض الله فاه :


      وضعوا اللحم للبزا     ة على ذروتي عدن
      ثم لاموا البزاة إذ     خلعوا عنهم الرسن
      لو أرادوا صيانتي     ستروا وجهك الحسن

      .

      وقال بعضهم ، وقد ذكر له من يخاف إفساده فقال : لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهن غيره ، وصعد رجل يوما على سطح دار له ، فأشرف على غلام له يفجر بجاريته ، فنزل وأخذهما ليعاقبهما ، فقال الغلام : إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك ، فقال : لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلي من كل شيء ، أنت حر لوجه الله . ورأى آخر يفجر بامرأته ، فبادر ليأخذه فهرب ، فأقبل يضرب المرأة ، وهي تقول : القضاء والقدر . فقال : يا عدوة الله ، أتزنين وتعتذرين بمثل هذا ؟ فقالت : أو تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباس ، فتنبه ورمى بالسوط من يده ، واعتذر إليها وقال : لولاك لضللت . ورأى آخر رجلا يفجر بامرأته فقال : ما هذا ؟ فقالت : هذا قضاء الله وقدره . فقال : الخيرة فيما قضى الله . فلقب بالخيرة فيما قضى الله ، وكان إذا دعي به غضب ، وقيل لبعض هؤلاء : أليس هو يقول ولا يرضى لعباده الكفر ؟ فقال : دعنا من هذا ، رضيه وأحبه وأراده ، وما أفسدنا غيره ، ولقد بالغ بعضهم في ذلك حتى قال : القدر عذر لجميع العصاة ، وإنما مثلنا في ذلك كما قيل : [ ص: 948 ]

      إذا مرضنا أتيناكم نعودكم     وتذنبون فنأتيكم فنعتذر

      .

      وبلغ بعض هؤلاء أن عليا مر بقتلى النهروان فقال : بؤسا لكم ، لقد ضركم من غركم . فقيل : من غرهم ؟ فقال : الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والأماني . فقال هذا القائل : كان علي قدريا ، وإلا فالله غرهم وفعل بهم ما فعل وأوردهم تلك الموارد . واجتمع جماعة من هؤلاء يوما فتذاكروا القدر ، فجرى ذكر الهدهد وقوله ( وزين لهم الشيطان أعمالهم ) ، ( النمل 24 ) فقال : كان الهدهد قدريا ، أضاف العمل إليهم والتزيين إلى الشيطان ، وجميع ذلك فعل الله . وسئل بعض هؤلاء عن قول الله تعالى لإبليس : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) ، ( ص 75 ) أيمنعه ، ثم يسأله ما منعه ؟ قال : نعم ، قضى عليه في السر ما منعه في العلانية ، ولعنه عليه . قال له : فما معنى قوله - عز وجل : ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله ) ، ( النساء 39 ) إذا كان هو الذي منعهم ؟ قال : استهزاء بهم . قال : فما معنى قوله ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) ، ( النساء 147 ) ؟ قال : فعل ذلك بهم من غير ذنب جنوه ، بل ابتدأهم بالكفر ، ثم عذبهم عليه ، وليس للآية معنى .

      وقال بعض هؤلاء ، وقد عوتب على ارتكابه معاصي الله فقال : إن كنت عاصيا لأمره ، فأنا مطيع لإرادته . وجرى عند بعض هؤلاء ذكر إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم ، فأخذ الجماعة يلعنونه ويذمونه فقال : إلى متى هذا اللوم ؟ ولو خلي لسجد ، ولكن منع ، وأخذ يقيم عذره . فقال بعض الحاضرين : تبا لك سائر اليوم ، أتذب عن الشيطان وتلوم الرحمن ؟ وجاء جماعة إلى منزل رجل من هؤلاء فلم يجدوه ، فلما رجع قال : كنت أصلح بين قوم . فقيل له : وأصلحت بينهم ؟ قال : أصلحت إن لم يفسد الله ، فقيل له : بؤسا لك ، أتحسن الثناء على نفسك وتسيء الثناء على ربك . ومر بلص مقطوع اليد على بعض هؤلاء ، فقال : مسكين مظلوم ، أجبره على السرقة ، ثم قطع يده عليها . وقيل لبعضهم : أترى الله كلف عباده ما لا يطيقون ، ثم يعذبهم عليه ؟ قال : والله ، قد فعل ذلك ، ولكن لا نجسر أن نتكلم . وقال بعض هؤلاء : ذنبة أذنبها أحب إلي من عبادة الملائكة . قيل : ولم ؟ قال : لعلمي بأن الله قضاها علي وقدرها ، ولم يقضها إلا والخيرة لي فيها . وقال بعض هؤلاء : العارف لا ينكر منكرا ; لاستبصاره [ ص: 949 ] بسر الله في القدر . قال : وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول : عاتبت بعض شيوخ هؤلاء ، فقال لي : المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب ، والكون كله مراده ، فأي شيء أبغض منه ؟ قال : فقلت له : إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من في الكون وعاداهم ولعنهم ، فأحببتهم أنت وواليتهم ، أكنت وليا للمحبوب أو عدوا له ؟ قال : فكأنما ألقم حجرا . وقرأ قارئ بحضرة بعض هؤلاء ( قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) ، ( ص 75 ) فقال : هو الله منعه ، ولو قال إبليس ذلك ، لكان صادقا ، وقد أخطأ إبليس الحجة ، ولو كنت حاضرا ، لقلت له : أنت منعته . وسمع بعض هؤلاء قارئا يقرأ ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) ، ( فصلت 17 ) فقال : ليس من هذا شيء ، بل أضلهم وأعماهم اه ، إلى أن قال : فيقال : الله أكبر على هؤلاء الملاحدة أعداء الله حقا ، الذين ما قدروا الله حق قدره ، ولا عرفوه حق معرفته ، ولا عظموه حق تعظيمه ، ولا نزهوه عما لا يليق به ، وبغضوه إلى عباده ، وبغضوهم إليه سبحانه ، وأساءوا الثناء عليه جهدهم وطاقتهم ، وهؤلاء خصماء الله حقا الذين جاء فيهم الحديث " يقال يوم القيامة أين خصماء الله ؟ فيؤمر بهم إلى النار " . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في تائيته :

      ويدعى خصوم الله يوم معادهم     إلى النار طرا فرقة القدرية
      سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا     به الله أو ماروا به للشريعة

      .

      وقال وسمعته يقول : القدرية المذمومون في السنة ، وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاث : نفاته وهم القدرية المجوسية ، والمعارضون به للشريعة [ ص: 950 ] الذين قالوا : ( لو شاء الله ما أشركنا ) ، ( الأنعام 148 ) وهم القدرية المشركون ، والمخاصمون به للرب - سبحانه - وهم أعداء الله تعالى وخصومه ، وهم القدرية الإبليسية وشيخهم إبليس ، وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال : ( بما أغويتني ) ولم يعترف بالذنب ويبوء به كما اعترف به آدم ، فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه ، فقد أشبه أباه آدم ، ومن أشبه أباه فما ظلم ، ومن برأ نفسه واحتج بالقدر ، فقد أشبه إبليس . ثم ساق كلاما طويلا في فرق القدرية وضلالهم إلى أن قال - رحمه الله تعالى : فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام ، وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم ، إما في جميع تركتهم ، وإما في كثير منها ، وإما في جزء منها ، وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، رضي الله عنهم ، فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض ، بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة ، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد ، وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والمتقي متقيا ، وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره ، وأئمة الضلالة يدعون إلى النار ، وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها ، وأنه يهدي من يشاء بفضله ورحمته ، ويضل من يشاء بعدله وحكمته ، وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه ، ولو شاء لخذلهم فعصوه ، وأنه تعالى حال بين الكفار وقلوبهم ، فإنه تعالى يحول بين المرء وقلبه ، فكفروا به ، ولو شاء ، لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه ، وأنه من يهده الله ، فلا مضل له ، ومن يضلل ، فلا هادي له ، وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا إيمانا يثابون عليه ، ويقبل منهم ويرضى به عنهم ، وأنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون .

      التالي السابق


      الخدمات العلمية