الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الخامس في ذكر مشروباته صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أنواع :

                                                                                                                                                                                                                              النوع الأول : في كراهته حلب المرأة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي شيبة عن أبي شيخ قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «يا معشر [محارب] نصركم الله لا تسقوني حلب المرأة» .

                                                                                                                                                                                                                              النوع الثاني : في شربه صلى الله عليه وسلم اللبن الخالص .

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام مالك والبخاري عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله تعالى عنها أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بعضهم هو صائم ، وقال بعضهم : ليس بصائم ، فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن ، وهو واقف على بعيره ، فشرب بعرفة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن الحكم رضي الله تعالى عنه قال : سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «اللهم متعه بشبابه» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الشيخ وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه معه ، قال أبو بكر : مررنا براعي غنم ، وقد عطش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : فحلبت كثبة من لبن في قدح ، فشرب حتى رضيت .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فمضمض ، وقال : «إن له دسما» .

                                                                                                                                                                                                                              وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رفعت إلى سدرة المنتهى ، فإذا أربعة أنهار : نهران ظاهران ، ونهران باطنان ، فأما الظاهران : فالنيل والفرات ، وأما الباطنان فنهران في الجنة ، فأوتيت بثلاثة أقداح : قدح فيه لبن ، وقدح فيه عسل ، وقدح فيه خمر ، فأخذت الذي فيه اللبن ، فشربت ، فقيل : لقد أصبت الفطرة والله أعلم» .

                                                                                                                                                                                                                              النوع الثالث : في شربه صلى الله عليه وسلم اللبن المشوب بالماء .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب لبنا ، وأتى دارنا ، فحلبت شاة ، فشبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم من البئر ، فتناول القدح فشرب ، وعن يساره أبو بكر [ ص: 245 ] رضي الله تعالى عنه ، وعن يمينه أعرابي ، وفي رواية : وأبو بكر تجاهه ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه- وخاف أن يعطيه الأعرابي : أعط أبا بكر ، وفي رواية : هذا أبو بكر ، فأعطى الأعرابي فضله ، ثم قال : الأيمن فالأيمن .

                                                                                                                                                                                                                              وروى محمد بن عمر عن أبي الهيثم بن نصر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل في يوم صائف ، ومعه أبو بكر على أبي الهيثم ، فقال : «هل من ماء بارد ؟ » فأتاه بشجب ماء كأنه الثلج ، فصب منه على لبن عنز له وسقاه .

                                                                                                                                                                                                                              فائدة : روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا ثلاثة لا ترد : اللبن والوسادة والدهن وأنشد بعضهم يقول في ذلك :


                                                                                                                                                                                                                              قد كان من سيرة خير الورى صلى عليه الله طول الزمن     ألا يرد الطيب والمتكا
                                                                                                                                                                                                                              واللحم أيضا يا أخي واللبن

                                                                                                                                                                                                                              النوع الرابع : في شربه صلى الله عليه وسلم النبيذ وهو المعروف الآن بالأقسما ، وصفته ، وتحريم الخمر عليه أول ما بعث قبل تحريمها على الأمة .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو سعيد بن الأعرابي عن أم سليم رضي الله تعالى عنها قالت : كنت أنبذ في جرار خضر فيجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشرب منها .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو القاسم البغوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تور من الحجارة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمامان الشافعي وأحمد ومسلم عن أبي الدرداء وابن ماجه ، عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له في سقاء ، فإذا لم يجد سقاء ينبذ له في تور من الحجارة ، وفي لفظ برام .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني برجال ثقات عن ابن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه قال : كان ينبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تور من الحجارة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو القاسم البغوي عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينبذ له في تور من حجارة زاد ابن أبي شيبة في المصنف قال أشعث : والتور من لحاء الشجر .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني برجال ثقات غير مزاحم بن عبد العزيز الثقفي فيجر رجاله عن عمير بن مسلم قال : أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم جرة خضراء فيها كافور ، فقسمها بين المهاجرين والأنصار وقال : «يا أم سليم انتبذي لنا فيها» . [ ص: 246 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري ، عن سهل بن سعد قال : أتى أبو أسيد الساعدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه فكانت امرأته خادمتهم ، وهي العروسة ، فقالت : أتدرون ما سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

                                                                                                                                                                                                                              ألقيت له تمرات من الليل في تور من حجارة .


                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد والأربعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كنا ننبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء يوكى عليه ، فنأخذ قبضة من زبيب ، أو قبضة من تمر ، فنطرحها في السقاء ، ثم نصب عليها الماء ليلا ، فيشرب نهارا ، أو نهارا فيشربه ليلا ، وزاد أبو داود : فإن فضل مما شرب على عشائه مما انتبذنا له بكرة سقاه أحدنا ، ثم ننبذ له بالليل ، فيشربه على غذائه ، قال :

                                                                                                                                                                                                                              وكنا نغسل السقاء غدوة وعشية مرتين في يوم .


                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم والنسائي عن ثمامة بن حزن رحمه الله تعالى أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبيذ ، فدعت جارية حبشية فقالت : سل هذه ، فإنها كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت الحبشية : كنت أنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء من الليل فأوكيه وأعلقه فإذا أصبح شرب منه .

                                                                                                                                                                                                                              وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبذ له زبيب من الليل ، فيجعل في سقاء ، فيشربه يومه ذلك ، والغد بعد الغد ، فإذا كان في آخر الثالثة سقاه أو شربه ، فإذا أصبح منه شيء أهريق .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كنا ننبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم غدوة ويشربه عشية ، وننبذ له عشية ويشربه غدوة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني برجال ثقات غير شيخه العباس بن الفضل الأسنائي فيجر رجاله عن المطلب بن أبي وداعة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بإناء نبيذ فصب عليه الماء حتى تدفق ، ثم شرب منه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا برجال ثقات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه رضي الله تعالى عنه ، قال :

                                                                                                                                                                                                                              كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشرب نبيذا فوق ثلاث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني عن الفضل بن عباس قال : كان ينبذ للنبي صلى الله عليه وسلم فيشربه الغد ، وليلة الغد ، وليلة اليوم الثالث ثم يمسك .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البزار عن أبي الدرداء ومعاذ بن جبل ، والطبراني عن أم سلمة رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن أول شيء نهاني ربي بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر غيبات الرجال .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد والطبراني ، وفيه عبيد الله بن زحر عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله تبارك وتعالى حرم علي الخمر [ ص: 247 ] والكوبة ، والقنينات ، وإياكم والغبيراء فإنها ثلث خمر العالم» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي ، والبيهقي عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إن ربي حرم علي الخمر والميسر والقنين والكوبة» ، والقنين : العود .

                                                                                                                                                                                                                              النوع الخامس : في شربه صلى الله عليه وسلم سويق الشعير .

                                                                                                                                                                                                                              روي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : كنت أسقي . . .

                                                                                                                                                                                                                              النوع السادس : في رده صلى الله عليه وسلم سويق اللوز .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، وأبي صخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسويق لوز فلما خيض له قال : «ماذا ؟ » قالوا : سويق اللوز ، قال : «أخروه عني ، هذا شراب المترفين» .

                                                                                                                                                                                                                              النوع السابع : في شربه صلى الله عليه وسلم العسل .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم والبرقاني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القدح الشراب كله : العسل واللبن والماء المخلوط بالعسل .

                                                                                                                                                                                                                              روي برجال ثقات غير نعيم بن مورع- وثقه ابن حبان ، وضعفه غيره- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه لبن وعسل فقال : «شربتين في شربة ، في قدح ، لا حاجة لي به ، أما إني لا أزعم أنه حرام ، أكره أن يسألني ربي عن فضول الدنيا ، أتواضع لله فمن تواضع لله رفعه الله ، ومن تكبر وضعه الله ، ومن اقتصد أغناه الله ، ومن ذكر الموت أحبه الله» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم عنها قالت : كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد ، زاد ابن السني وأبو نعيم في الطب : بالعسل وقال : إنه يبرد فؤادي ويجلو بصري .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية