الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 152 ]

                                                                                                                                                                                                                              جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في جلوسه واتكائه وقيامه ومشيه

                                                                                                                                                                                                                              الباب الأول في آداب جلوسه واتكائه صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أنواع :

                                                                                                                                                                                                                              النوع الأول : في جلوسه حيث انتهى به المجلس .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو نعيم رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى به المجلس جلس حيث انتهى به المجلس ، ويأمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              النوع الثاني : في صفة جلسته واحتبائه وآدابه في ذلك

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أنواع : .

                                                                                                                                                                                                                              الأول : في قعوده القرفصاء .

                                                                                                                                                                                                                              روى البخاري في الأدب وأبو يعلى عن قيلة- بفتح القاف وسكون المثناة التحتية بعدها لام- بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا القرفصاء .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس جلس القرفصاء .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : في تربعه .

                                                                                                                                                                                                                              روى البخاري في الأدب عن حنظلة بن خذيم رضي الله تعالى عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته جالسا متربعا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي شيبة عن جابر بن صخرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : في احتبائه .

                                                                                                                                                                                                                              روى البخاري في الأدب عن سليم بن جابر الهجيمي رضي الله تعالى عنه قال : «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محتب في بردة فإن هدابها لعلى قدميه» الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري في الأدب والنسائي والبزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن [ ص: 153 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوما المسجد ، وأنا معه ، فجلس فاحتبى الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود والترمذي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس احتبى بيديه ، زاد البزار ونصب ركبتيه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة محتبيا بيده هكذا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحسن بن سفيان عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتبي على ركبتيه ، وكان لا يتكئ .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عدي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في مجلس احتبى بيديه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس احتبى بيديه ، وقال بعض رواته بثوبه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني برجال ثقات غير أبي عروبة محمد بن موسى فيجر رجاله عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه الكعبة محتبيا بيديه .

                                                                                                                                                                                                                              الرابع : في رفعه بصره إلى السماء إذا جلس يتحدث .

                                                                                                                                                                                                                              روى البيهقي عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس كثيرا يتحدث رفع طرفه إلى السماء .

                                                                                                                                                                                                                              النوع الثالث : في اتكائه .

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن سعد عن زر بن حبيش قال : جاء رجل من مراد يقال له صفوان بن عسال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على برد له أحمر .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الدارمي والترمذي وصححه وأبو عوانة وابن حبان وابن سعد وابن عدي عن جابر ابن سمرة رضي الله تعالى عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته متكئا على وسادة على يساره .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة فيها صور .

                                                                                                                                                                                                                              النوع الرابع : في توسده صلى الله عليه وسلم ببردته .

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن أبي شيبة عن خباب رضي الله تعالى عنه قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة . الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              الخامس : في جلوسه صلى الله عليه وسلم على شفير البئر ، وإدلائه رجليه في البئر ، وكشفه عن ساقيه . [ ص: 154 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري في الأدب عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى حائط من حوائط الحاجة وخرجت في أثره ، فلما دخل الحائط جلست على بابه ، وقلت لأكونن اليوم بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى حاجته ، وجلس على قف البئر وكشف عن ساقيه ، وأدلاهما في البئر .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني في الأوسط برجال موثقين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأعواف وبلال معه ، فدلى رجليه في البئر وكشف عن فخذيه ، فجاء أبو بكر يستأذن ، فقال : يا بلال ائذن له ، وبشره بالجنة ، فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودلى رجليه في البئر ، وكشف عن فخذه ، ثم جاء عمر يستأذن ، فقال : يا بلال ائذن له ، وبشره بالجنة ، فدخل ، فجلس عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلى رجليه في البئر ، وكشف عن فخذه ، ثم جاء عثمان ، فقال : ائذن له يا بلال ، وبشره بالجنة ، على بلوى تصيبه ، فدخل عثمان فجلس ، فعدله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودلى رجليه في البئر وكشف عن فخذه .

                                                                                                                                                                                                                              السادس : في جلوسه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه .

                                                                                                                                                                                                                              روى ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : ما أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتيه بين يدي جليس له قط ، ولا يبادر يده أحد قط فيتركها حتى يكون هو يدعها ، وما جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد قط فقام حتى يقوم ، وما وجدت شيئا قط أطيب ريحا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              السابع في أين يجلس من أصحابه صلى الله عليه وسلم ؟ .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو الحسن بن الضحاك عن كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه قال : كان يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه مكان المائدة من القوم حلقة ثم حلقة ، وهو في وسطهم ، فيقبل على هؤلاء فيحدثهم ، ثم على هؤلاء ، ثم على هؤلاء .

                                                                                                                                                                                                                              وروى النسائي عن أبي هريرة ، وأبي ذر رضي الله تعالى عنهما قالا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه فتجيء العرب فلا تدري أين هو ؟ حتى تسأل ، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له محلا فتعرفه العرب إذا رأوه ، فبنينا له دكانا من طين فكان يجلس عليه ، وكنا نجلس بجانبه سماطين .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الحسن بن الضحاك رضي الله تعالى عنه قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله .

                                                                                                                                                                                                                              الثامن : في استلقائه صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              روى الإمام أحمد عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى . [ ص: 155 ]

                                                                                                                                                                                                                              التاسع : فيما كان يقوله في مجلسه .

                                                                                                                                                                                                                              روى الترمذي- وحسنه- وابن السني والحاكم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلسه حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه : اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما يهون علينا مصيبات الدنيا ، ومتعنا بأسماعنا وبأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا» .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية