الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1051 ص: حدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا عبد الله بن صالح ، قال: حدثني الليث ، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أسامة بن زيد ، عن عروة بن الزبير ، قال: أخبرني بشير بن أبي مسعود ، عن أبيه: " أن النبي -عليه السلام- صلى الغداة، فغلس بها، ثم صلاها فأسفر ، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى" .

                                                التالي السابق


                                                ش: عبد الله بن صالح كاتب الليث فيه مقال، فقال النسائي : ليس بثقة. ووثقه كثيرون حتى قيل: إن البخاري روى عنه في "الصحيح" ولكنه يدلسه فيقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو.

                                                [ ص: 359 ] وبشير - بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة - الأنصاري المدني.

                                                قيل: إنه صحب النبي -عليه السلام- ولا يثبت سماعه منه، والأكثرون على أنه تابعي، روى له الجماعة سوى الترمذي .

                                                وأبوه أبو مسعود اسمه عقبة بن عمرو البدري الأنصاري الصحابي .

                                                وأخرجه أبو داود مطولا وقال: ثنا محمد بن سلمة ، نا ابن وهب ، عن أسامة بن زيد الليثي ، أن ابن شهاب أخبره: "أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدا على المنبر، فأخر العصر شيئا، فقال له عروة بن الزبير : أما إن جبريل -عليه السلام - قد أخبر محمدا -عليه السلام- بوقت الصلاة، فقال له عمر : اعلم ما تقول، فقال له عروة : سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله -عليه السلام- يقول: نزل جبريل -عليه السلام - فأخبرني بوقت الصلاة، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه - يحسب بأصابعه خمس صلوات - فرأيت رسول الله -عليه السلام- صلى الظهر حين نزول الشمس، وربما أخرها حين يشتد الحر ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء، قبل أن تدخلها الصفراء، فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر" .

                                                وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "سننه": وقد احتج به قوم على أن حكم التغليس مستمر، وأنه سنة مستمرة.

                                                [ ص: 360 ] وقال الحافظ أبو محمد موسى بن حازم في كتاب "الناسخ والمنسوخ": قد اختلف أهل العلم في الإسفار بصلاة الصبح والتغليس بها ، فرأى بعضهم الإسفار الأفضل وذهب إلى قوله: "أصبحوا بالصبح" ورآه محكما.

                                                وزعم الطحاوي أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وأنهم كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين، وليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأن حديث التغليس ثابت، وأن النبي -عليه السلام- داوم عليه حتى فارق الدنيا.

                                                ثم روى الحديث المذكور وقال: هذا إسناد رواته عن آخرهم ثقات.

                                                قلت: يرد هذا ما أخرجه البخاري ، ومسلم : عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله -عليه السلام- صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها" .

                                                قال العلماء: يعني وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر، وإنما غلس بها جدا وتوضحه رواية البخاري : "والفجر حين نزع" ، وهذا دليل على أنه -عليه السلام- كان يسفر بالفجر دائما، وقلما صلاها بغلس، وبه استدل الشيخ في "الإمام" لأصحابنا، على أن أسامة بن زيد قد تكلم فيه، فقال أحمد : ليس بشيء. وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي والدارقطني : ليس بقوي. فثبت بهذا أن زعم الطحاوي صحيح، وأن رد الحازمي كلام الطحاوي رد غير صحيح، والحق أحق أن يتبع.

                                                وقد تكلم البيهقي ها هنا كلاما فيه تحامل على الطحاوي ، وسنذكره مع جوابه في موضعه عن قريب إن شاء الله تعالى.




                                                الخدمات العلمية