الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1171 ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال: ثنا أبو ظفر عبد السلام بن مطهر ، قال: ثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، عن علي بن علي الرفاعي ، عن أبي المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثا، ثم يقول: الله أكبر كبيرا ثلاثا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ ".

                                                حدثنا فهد بن سليمان ، قال: ثنا الحسن بن الربيع ، قال: ثنا جعفر بن سليمان ... فذكر مثله بإسناده غير أنه لم يقل: "ثم يقرأ" .

                                                التالي السابق


                                                ش: هذان طريقان:

                                                الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن أبي ظفر عبد السلام ... إلى آخره.

                                                وعبد السلام هذا شيخ البخاري وأبي داود ، قال أبو حاتم : صدوق.

                                                وجعفر بن سليمان الضبعي أبو سليمان البصري، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح، وكان ينزل في بني ضبيعة فنسب إليهم.

                                                وعلي بن علي بن نجاد بن رفاعة الرفاعي اليشكري أبو إسماعيل البصري ، قال أبو زرعة ويحيى : ثقة. وقال النسائي : لا بأس به. وروى له الأربعة.

                                                وأبو المتوكل اسمه علي بن داود ، وقيل: دواد ، روى له الجماعة، والناجي - بالنون والجيم - نسبة إلى بني ناجية بن سامة بن لؤي .

                                                وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك .

                                                [ ص: 521 ] وأخرجه أبو داود : ثنا عبد السلام بن مطهر ، ثنا جعفر ، عن علي بن علي الرفاعي ، عن أبي المتوكل الناجي ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي .

                                                وأخرجه الترمذي : عن محمد بن موسى البصري ، عن جعفر بن سليمان الضبعي ... إلى آخره نحوه، غير أنه ليس في روايته: "ثم يقول: لا إله إلا الله - ثلاثا" وقوله: "ثم يقرأ".

                                                الثاني: عن فهد ، عن الحسن بن الربيع بن سليمان البجلي ، قال: أحمد بن عبد الله كوفي ثقة، رجل صالح. وهو شيخ الجماعة.

                                                عن جعفر بن سليمان ... إلى آخره.

                                                وأخرجه النسائي : عن عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم ، عن عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ... إلى آخره، واقتصر على: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا زيد بن حباب ، قال: ثنا جعفر بن سليمان ... إلى آخره نحو رواية النسائي .

                                                فإن قلت: ما حكم هذا الحديث؟

                                                قلت: صحيح؛ لأن رجاله ثقات.

                                                فإن قلت: تكلم فيه يحيى بن سعيد من جهة علي بن علي ، وقال الترمذي : قال أحمد : لا يصح هذا الحديث.

                                                [ ص: 522 ] قلت: سكوت أبي داود يدل على صحته عنده، وعلي بن علي وثقه جماعة كما ذكرنا، فإذا لا مانع لصحته.

                                                قوله: (سبحانك اللهم) أي: أنزهك يا الله، "وسبحان" علم للتسبيح، كعثمان علم للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره: أسبح الله سبحانك، بمعنى أسبح تسبيحك، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فسد مسده ومعنى التسبيح: التنزيه عما لا يليق به سبحانه وتعالى من الشريك والولد والصاحب والنقائص وسمات الحدث مطلقا.

                                                قوله: (وبحمدك) معطوف على محذوف تقديره: وأحمدك بحمدك، أو تقديره بحمدك سبحتك، ووفقت لذلك.

                                                قوله: (وتبارك) تفاعل من البركة وهي الكثرة والاتساع، وتبارك أي بارك، مثل قاتل وتقاتل إلا أن فاعل يتعدى، وتفاعل لا يتعدى، ومعناه كثرت بركته في السماوات والأرض؛ إذ به تقوم وبه تستنزل الخيرات، وأوله بعض أهل التحقيق على أن باسمه تنال البركة والزيادة، ونفى أن يتأول في وصفه معنى الزيادة لأنه ينبئ عن النقصان.

                                                قوله: (وتعالى جدك) أي علا وارتفع عظمتك، والجد: العظمة، وينبغي أن تمد "لام" "تعالى" مدا ظاهرا، وقد سمعت بعض مشايخي: أنه لو قصرها في الصلاة تفسد صلاته.

                                                قوله: (من همزه) وهمزه ما يوسوس به، قال تعالى: وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وهمزاته خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، وهي جمع المرة من الهمزة.

                                                [ ص: 523 ] وقد فسره في بعض روايات الحديث الذي أخرجه أبو داود ، وغيره في الأدعية قال: "نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة" والموتة - بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوق -: الجنون؛ وسماه همزا لأنه جعل من النخس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته.

                                                قوله: (ونفخه) بالخاء المعجمة، وهو الكبير كما قلنا، وهو كناية عما يسوله الإنسان من الاستكبار والخيلاء، فيتعاظم في نفسه، كالذي نفخ فيه، ولهذا قال -عليه السلام- للذي رآه قد استطار غضبا: "نفخ فيه الشيطان" .

                                                قوله: (ونفثه) أي: نفث الشيطان، وهو الشعر إنما سمي النفث شعرا لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، ويقال: المراد منه السحر، وهذا أشبه؛ لما شهد له التنزيل قال تعالى: ومن شر النفاثات في العقد

                                                فإن قيل: ما موقع قوله: "من همزه ونفخه ونفثه" مما قبله؟

                                                قلت: الظاهر أنه بدل اشتمال من الشيطان الرجيم، فافهم.



                                                الخدمات العلمية