الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1089 ص: وقد رويت عنه آثار متواترة تدل على أنه قد كان ينصرف من صلاته مسفرا :

                                                كما قد حدثنا يونس ، قال: ثنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، أنه سمع عبد الله بن عامر يقول: " صلينا وراء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صلاة الصبح فقرأ فيها بسورة يوسف وسورة الحج ، قراءة بطيئة، فقلت: والله إذا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر، قال: أجل" .

                                                وحدثنا يزيد بن سنان ، قال: ثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، قال: حدثني محمد بن يوسف ، قال: سمعت السائب بن يزيد ، قال: "صليت خلف عمر -رضي الله عنه- الصبح، فقرأ بالبقرة، فلما انصرفوا استشرفوا الشمس، فقالوا: طلعت. فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين" .

                                                وحدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا وهب بن جرير ، قال: ثنا شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن زيد بن وهب ، قال: صلى بنا عمر -رضي الله عنه- صلاة الصبح، فقرأ ببني إسرائيل والكهف، حتى جعلت أنظر إلى جدر المسجد هل طلعت الشمس؟" .

                                                وحدثنا يزيد بن سنان ، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان ، قال: ثنا مسعر ، قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة ، عن زيد بن وهب قال: "قرأ عمر -رضي الله عنه- في صلاة الصبح بالكهف وبني إسرائيل " .

                                                وحدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال: ثنا سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عبد الله بن عامر : "أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قرأ في الصبح بسورة الكهف وسورة يوسف" .

                                                وحدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال: ثنا حماد بن زيد ، قال: ثنا بديل بن ميسرة ، عن عبد الله بن شقيق ، قال: "صلى بنا الأحنف بن قيس [ ص: 405 ] صلاة الصبح بعاقول الكوفة ، فقرأ في الركعة الأولى "الكهف" وفي الثانية بسورة "يوسف" قال: وصلى بنا عمر -رضي الله عنه- صلاة الصبح فقرأ بهما فيهما" .

                                                وحدثنا روح بن الفرج ، قال: ثنا يوسف بن عدي ، قال: ثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "صلى بنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بمكة صلاة الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بيوسف حتى بلغ: وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ثم ركع فقام، فقرأ في الثانية بالنجم فسجد ثم قام فقرأ: إذا زلزلت الأرض زلزالها ورفع صوته بالقراءة، حتى لو كان في الوادي أحد لأسمعه" .

                                                وحدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا أبو الوليد ، قال: ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه: "أنه صلى مع عمر -رضي الله عنه- الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بيوسف، وفي الثانية بالنجم فسجد" .

                                                وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال: ثنا وهب ، قال: ثنا أبي، قال: سمعت الأعمش يحدث، عن إبراهيم التيمي ، عن حصين بن سبرة قال: "صلى بنا عمر -رضي الله عنه-..." فذكر مثله.

                                                قال أبو جعفر - رحمه الله -: فلما روي ما ذكرنا عن عمر -رضي الله عنه- في حديث عبد الله بن عامر ، أن قراءته تلك كانت بطيئة لم يجز - والله أعلم - أن يكون دخوله فيها كان إلا بغلس، ولا خروجه منها كان إلا وقد أسفر إسفارا شديدا.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قد رويت عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- آثار متكاثرة، كلها تدل على أنه قد كان ينصرف من صلاته في الصبح في حالة الإسفار؛ وذلك لأن عبد الله بن عامر قد روي عنه أنه قرأ في الصبح بسورة "الكهف" وسورة "يوسف" وأن قراءته كانت بطيئة يعني كان يتأنى فيها ويترسل، ولا يتصور ذلك إلا أن يكون دخوله في [ ص: 406 ] الصلاة بغلس، وخروجه إلا بعد الإسفار الشديد؛ لأن قراءة هاتين السورتين مع التأني والتوقف يقتضي ساعة مديدة، وهذا ظاهر حسيا ولا ينكر، فعلم من هذا كله أن الإسفار مطلوب مستحب ؛ لأن عمر -رضي الله عنه- ما كان يطول في القراءة إلا لينال هذه الفضيلة، ولأن فيه شغل كل الوقت بالعبادة، على أن الأصل أن يكون وقت كل صلاة مشغولا بصلاته، وأن يشرع المصلي فيها من أوله ويمدها إلى آخره، ولكن الله تعالى رخص لعبيده رحمة عليهم، أن يصلوا كل صلاة في وقتها في أي جزء كان من ساعاتها بعد أن يجانبوا التفويت والتفريط.

                                                ثم إنه أخرج الآثار المذكورة من تسع طرق صحاح، رجالها كلهم ثقات:

                                                الأول: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب المصري ، عن مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام -رضي الله عنه- عن عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي - بفتح العين، وسكون النون - مات رسول الله -عليه السلام- وعمره خمس سنين، وروى عنه -عليه السلام-.

                                                وأخرجه مالك في "موطئه": عن هشام بن عروة ... إلى آخره نحوه سواء.

                                                وقال مسلم : أصحاب هشام بن عروة كلهم يروون هذا الحديث عن هشام بن عروة ، قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "صليت خلف عمر -رضي الله عنه- " ولم يقولوا: عن أبيه، كذلك رواه أبو أسامة وحاتم بن إسماعيل ووكيع بن الجراح ، عن هشام بن عروة ، وهو الصواب عندي؛ لأنهم جماعة حفاظ.

                                                قوله: "فقلت" قائله عروة بن الزبير ، وعلى قول مسلم قائله هشام بن عروة .

                                                قوله: "لقد كان يقوم حين يطلع الفجر" أي لقد كان عمر بن الخطاب يقوم إلى الصلاة من حين طلوع الفجر ؛ وذلك لأن هذه القراءة الطويلة تقتضي وقتا مديدا ولا يكون ذلك إلا من حين طلوع الفجر إلى وقت الإسفار جدا.

                                                [ ص: 407 ] الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن عبد الملك بن جريج المكي ، عن محمد بن يوسف بن بنت السائب بن يزيد ، من رجال "الصحيحين"، عن السائب بن يزيد بن سعد الأسدي ، ويقال: الليثي ، ويقال: الهذلي ، الصحابي، له ولأبيه صحبة.

                                                قوله: "فقرأ بالبقرة" أي بالسورة التي تذكر فيها البقرة.

                                                قوله: "استشرفوا الشمس" أي: حدقوا النظر إليها، وأصل الاستشراف أن تضع يدك على حاجبك، وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، وأصله من الشرف والعلو. كأنه ينظر إليه من موضع مرتفع، فيكون أكثر لإدراكه.

                                                قوله: "لو طلعت لم تجدنا غافلين" أي: لو طلعت الشمس لم تجدنا في غفلة من العبادة، بل كانت تجدنا في العبادة والطاعة.

                                                كما جاء في رواية عبد الرزاق : "لو طلعت لألفتنا غير غافلين" وهذا يدل جزما أن عمر -رضي الله عنه- كان يسفر بالصبح جدا بعد أن كان يشرع فيها بالغلس ؛ لأن قراءة سورة البقرة تقتضي ساعة مديدة؛ لأنها مائتا آية وسبعة وثمانون آية، ولا سيما قراءة عمر -رضي الله عنه- أنه كان يقرأ بالترسل والتأني والتفكر في معانيه والتدبر في ألفاظه المعجزة.

                                                الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير بن حازم ، عن شعبة بن الحجاج ، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري أبي زيد الكوفي الزراد ، عن زيد بن وهب الجهني أبي سليمان الكوفي ، رحل إلى النبي -عليه السلام-، فقبض وهو في الطريق.

                                                وهؤلاء كلهم من رجال الصحيحين وغيرهما ما خلا ابن مرزوق .

                                                وأخرجه ابن جرير الطبري ، من حديث زيد بن وهب نحوه.

                                                [ ص: 408 ] الرابع: عن يزيد بن سنان القزاز ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن مسعر بن كدام ... إلى آخره.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا وكيع ، عن مسعر ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن زيد بن وهب : "أن عمر -رضي الله عنه- قرأ في الفجر "الكهف" و: "بني إسرائيل " .

                                                الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عبد الله بن عامر ، أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-... إلى آخره.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، قال: "سمعت عمر -رضي الله عنه- يقرأ في الفجر بسورة يوسف قراءة بطيئة" . وقد أسقط في رواية ابن أبي شيبة : عروة بن الزبير بن هشام ، وعبد الله بن عامر ، وهو الذي نص عليه مسلم أنه هو الصواب، كما ذكرناه عن قريب.

                                                السادس: عن محمد بن خزيمة بن راشد ، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي أبي عمرو القصاب البصري شيخ البخاري وأبي داود ، عن حماد بن زيد ، عن بديل بن ميسرة العقيلي البصري ، عن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري أنه قال: "صلى بنا الأحنف بن قيس بن معاوية التميمي أبي بحر البصري، والأحنف لقبه، واسمه: الضحاك . وقيل: صخر، أدرك حياة النبي -عليه السلام- ولم يره.

                                                وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن معتمر بن سليمان ، عن الزبير بن خريت ، عن عبد الله بن شقيق ، عن الأحنف قال: "صليت خلف عمر -رضي الله عنه- الغداة، فقرأ بيونس وهود ونحوهما" .

                                                [ ص: 409 ] قوله: " بعاقول الكوفة " قال في "العباب": دير العاقول موضع بين المدائن والنعمانية ، والعاقول من النهر والوادي والرمل: المعوج، وعاقولى اسم الكوفة في التوراة.

                                                قوله: "بهما فيهما" أي: بالكهف ويوسف، في ركعتي الفجر.

                                                السابع: عن روح بن الفرج ، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري ، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي ، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، عن عمرو بن مرة بن عبد الله الكوفي الأعمى ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ... إلى آخره.

                                                وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح ما خلا روحا .

                                                الثامن: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، عن شعبة بن الحجاج ، عن الحكم بن عتيبة ، عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب ، عن أبيه يزيد بن شريك بن طارق التيمي ... إلى آخره.

                                                وأخرجه عبد الرزاق : عن الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن حصين بن سبرة ، عن عمر بن الخطاب : "أنه قرأ في الفجر بيوسف وركع، ثم قرأ في الثانية بالنجم فسجد، ثم قام فقرأ: إذا زلزلت الأرض زلزالها " .

                                                التاسع: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير ، عن أبيه جرير بن حازم بن زيد الجهضمي ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن حصين بن سبرة .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن حصين بن سبرة ، قال: "صليت خلف عمر -رضي الله عنه- فقرأ في [ ص: 410 ] الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية بالنجم، فسجد ثم قام فقرأ: إذا زلزلت الأرض زلزالها ثم ركع" .



                                                الخدمات العلمية