الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1825 1826 1827 1828 1829 1830 1831 1832 1833 1834 ص: فقد جاءت الآثار عن النبي - عليه السلام - متواترة بالنهي عن الصلاة بعد العصر، ثم عمل بذلك أصحابه من بعده، ولا ينبغي لأحد خلاف ذلك فمما روي عن أصحابه في ذلك:

                                                ما حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه، عن ابن شهاب ، عن السائب بن يزيد: " ، أنه رأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يضرب المنكدر في الصلاة بعد العصر".

                                                حدثنا ابن أبي داود ، قال: نا أبو صالح ، قال: حدثني الليث ، قال: حدثني عقيل ، عن ابن شهاب ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا يزيد بن سنان ، قال: نا يحيى بن سعيد القطان ، قال: نا الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، قال: " كان عمر يكره الصلاة بعد العصر، وأنا أكره ما كره عمر - رضي الله عنه -".

                                                [ ص: 171 ] حدثنا أبو بكرة ، قال: نا يحيى بن حماد ، قال: نا أبو عوانة ، عن سليمان ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال: نا وهب ، قال: نا شعبة ، عن جبلة بن سحيم ، قال: سمعت ابن عمر يقول: "رأيت عمر - رضي الله عنه - يضرب الرجل إذا رآه يصلي بعد العصر حين ينصرف من صلاته".

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال: نا وهب ، قال: ثنا شعبة ، عن أبي جمرة ، قال: "سألت ابن عمر عن الصلاة بعد العصر، فقال: رأيت عمر - رضي الله عنه - يضرب الرجل إذا رآه يصلي بعد العصر".

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود ، قال: نا عبيد الله بن إياد بن لقيط ، عن إياد ، عن البراء بن عازب ، قال: "بعثني سلمان بن ربيعة بريدا إلى عمر بن الخطاب في حاجة له، فقدمت عليه فقال لي: لا تصلوا بعد العصر; فإني أخاف عليكم أن تتركوها إلى غيرها".

                                                حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود ، قال: نا شعبة ، قال: أنبأني سعد بن إبراهيم ، قال: سمعت عبد الله بن رافع بن خديج يحدث عن أبيه ، قال: "فاتتني ركعتان من العصر فقمت أصليهما فجاء عمر - رضي الله عنه - ومعه الدرة فلما سلمت قال: ما هذه الصلاة؟ فقلت: فاتتني ركعتان فقمت أقضيهما. فقال: ظننتك تصلي بعد العصر، ولو فعلت ذلك لفعلت بك وفعلت".

                                                حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب ، قال: نا شعبة ، عن سعد ، عن عبيد الله بن رافع ، عن أبيه ..... فذكر مثله.

                                                حدثنا فهد ، قال: نا علي بن معبد ، قال: نا إسماعيل بن أبي كثير ، عن محمد بن عمرو ، عن عمرو بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه قال: " أمرني عمر بن الخطاب - رضي الله عنه أن أضرب من كان يصلي بعد العصر الركعتين بالدرة". .

                                                [ ص: 172 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 172 ] ش: أي قد جاءت الأحاديث عن النبي - عليه السلام - متكاثرة بالنهي عن الصلاة بعد العصر، وأراد بالتواتر معناه اللغوي.

                                                قوله: "ثم عمل بذلك" أي بالنهي عن الصلاة بعد العصر أصحاب النبي - عليه السلام - وقد ذكر ها هنا جماعة منهم في ضمن الآثار التي رواها عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهم: السائب بن يزيد الكناني المدني ابن أخت النمر، حج مع النبي - عليه السلام - وهو ابن سبع سنين، وذهبت به خالته إلى النبي - عليه السلام - وهو مريض فمسح برأسه ودعا له بالبركة، وتوضأ النبي - عليه السلام - فشرب من وضوئه ونظر إلى خاتم بين كتفيه.

                                                وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر والبراء بن عازب ورافع بن خديج ، وأبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - فإن هؤلاء الصحابة الأجلاء كلهم رووا عن عمر - رضي الله عنه - منع الصلاة بعد العصر، وعملوا به أيضا، فصار كالإجماع منهم على ذلك، فحينئذ لا يبقى مجال للخلاف فيه، ولو لم يكن النهي فيه مؤكدا لما ضرب عمر بن الخطاب المنكدر وغيره بالدرة على فعل ذلك، فلا يجوز حينئذ التقرب إلى الله بالفعل المنهي عنه.

                                                ثم إنه أخرج الأثر في ذلك عن عمر بن الخطاب من عشر طرق صحاح:

                                                الأول: رجاله كلهم رجال مسلم ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن السائب بن يزيد الكناني الذي مر ذكره الآن.

                                                وأخرجه مالك في "موطإه" .

                                                والمنكدر هو أبي عبد الله والد محمد بن المنكدر القرشي التيمي المدني، ولد على عهد النبي - عليه السلام - ولا تثبت له صحبة.

                                                الثاني: على شرط الشيخين، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن أبي صالح [ ص: 173 ] عبد الله بن صالح كاتب الليث ، عن الليث بن سعد ، عن عقيل -بضم العين- بن خلاد بن عقيل -بالفتح- عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن السائب بن يزيد ... إلى آخره.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" : ثنا وكيع، قال: ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن السائب قال: "رأيت عمر بن الخطاب يضرب المنكدر على السجدتين بعد العصر- يعني الركعتين".

                                                وأخرجه عبد الرزاق : عن الثوري ، عن معمر ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد قال: "ضرب عمر - رضي الله عنه - المنكدر إذ رآه سبح بعد العصر".

                                                الثالث: على شرطهما أيضا، عن يزيد بن سنان ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، عن عبد الله .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" : ثنا أبو معاوية ووكيع ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله: "أن عمر - رضي الله عنه - كره الصلاة بعد العصر، وأنا أكره ما كره عمر - رضي الله عنه -".

                                                الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني ختن أبي عوانة ، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي وائل ... إلى آخره.

                                                الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن جبلة ابن سحيم التيمي أبي سريرة الكوفي روى له الجماعة، عن ابن عمر - رضي الله عنه -، عن عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -.

                                                [ ص: 174 ] وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" : عن ابن فضيل ، عن المختار ، عن أنس قال: "كان عمر - رضي الله عنه - يضرب الأيدي على الصلاة بعد العصر".

                                                السادس: عن ابن مرزوق أيضا، عن وهب بن جرير أيضا، عن شعبة ، عن أبي جمرة -بالجيم والراء المهملة- نصر بن عمران بن عاصم الضبعي البصري روى له الجماعة.

                                                وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" : عن هشيم أو غيره، قال: أخبرني أبو جمرة قال: "سألت ابن عباس عن الصلاة بعد العصر فقال: صل ما شئت إلى الليل، ولقد رأيت عمر - رضي الله عنه - يضرب الرجل يراه يصلي بعد العصر".

                                                السابع: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، عن عبيد الله بن إياد بن لقيط السدوسي أبي السليل الكوفي، روى له البخاري في "الأدب" والباقون سوى ابن ماجه -عن إياد بن لقيط- وهو أبو عبيد الله المذكور، روى له البخاري في "الأدب" والباقون سوى ابن ماجه .

                                                عن البراء بن عازب قال: "بعثني سلمان بن ربيعة" وهو سلمان بن ربيعة بن عمرو بن سهم السهمي أبو عبد الله الباهلي وهو سلمان الخيل ويقال أن له صحبة، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين.

                                                قوله: "بريدا" بفتح الباء الموحدة وهو في الأصل: البغل، ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدا، والمسافة التي بين السكتين بريدا، والسكة: الموضع الذي كان يسكنه الفيوج المرتبون من رباط أو قبة أو بيت أو نحو ذلك، وبعد ما بين السكتين فرسخان، وكان يرتب في كل سكة بغال من البريد للرسول.

                                                وفي "العباب": البريد كلمة فارسية أصلها بريده دم أي محذوف الذنب; لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب، فأعربت الكلمة وخففت.

                                                [ ص: 175 ] قوله: "بعد العصر" أي صلاة العصر.

                                                قوله: "فإني أخاف أن تتركوها" أي أخاف أن تتركوا صلاة العصر التي هي الفرض إلى غيرها الذي ليس بفرض.

                                                الثامن: عن أبي بكرة بكار ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الله بن رافع بن خديج، وثقه ابن حبان، وقال الدارقطني: ليس بالقوي.

                                                عن أبيه رافع بن خديج الصحابي ... إلى آخره.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" : ثنا وكيع ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت عبد الله بن رافع بن خديج، يحدث عن أبيه قال: "رآني عمر - رضي الله عنه - يوما وأنا أصلي بعد العصر، فانتظرني حتى صليت، فقال: ما هذه الصلاة؟ فقلت: سبقتني بشيء من الصلاة، فقال عمر - رضي الله عنه -: لو علمت أنك تصلي بعد العصر لفعلت وفعلت".

                                                التاسع: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبيد الله بن رافع -وهو بالتصغير- أخو عبد الله بن رافع -بالتكبير- المذكور في السند الماضي، ذكره ابن حبان في الثقات، فالذي بالتكبير كنيته أبو محمد، والذي بالتصغير كنيته أبو الفضل .

                                                العاشر: عن فهد بن سليمان ، عن علي بن معبد بن شداد العبدي ، عن إسماعيل ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري ، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، روى له الجماعة البخاري مقرونا بغيره، ومسلم في المتابعات.

                                                عن عمر بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل، وثقه ابن حبان .

                                                [ ص: 176 ] وأخرجه ابن حبان في ترجمة عمر بن عبد الملك المذكور .




                                                الخدمات العلمية