الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
القسم الثالث : أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحا لفهم ولم يكن فيه ضرر ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرمز ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب وله مصلحة في أن يعظم وقت ذلك الأمر في قلبه ، كما لو قال قائل رأيت فلانا يقلد الدر في أعناق الخنازير ، فكنى به عن إفشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها ؛ فالمستمع قد يسبق إلى فهمه ظاهر اللفظ والمحقق إذا نظر وعلم أن ذلك الإنسان لم يكن معه در ولا كان في موضعه خنزير تفطن لدرك السر والباطن فيتفاوت الناس في ذلك ومن هذا قال الشاعر .


رجلان خياط وآخر حائك متقابلان على السماك الأعزل     لا زال ينسج ذاك خرقة مدبر
ويخيط صاحبه ثياب المقبل

فإنه عبر عن سبب سماوي في الإقبال والإدبار برجلين صانعين وهذا النوع يرجع إلى التعبير عن المعنى بالصورة التي تتضمن عين المعنى أو مثله .

التالي السابق


(القسم الثالث: أن يكون الشيء بحيث لو ذكر صريحا) ظاهرا (لفهم) معناه (ولم يكن فيه ضرر) يصيب السامع (ولكن يكنى عنه) أي: يؤتى بالكناية (على سبيل الاستعارة والرمز) أي: الإشارة، والاستعارة ادعاء معنى الحقيقة في الشيء؛ للمبالغة في التشبيه، مع طرح ذكر المشبه من البين؛ (ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب) وأقوى مما ذكر مصرحا .

(وله مصلحة) ظاهرة (في أن يعظم وقع ذلك الأمر في قلبه، كما لو قال قائل) : لقيت أسدا، يعني رجلا شجاعا، فلا يخفى أن هذا أوقع في القلب من قوله: "لقيت رجلا شجاعا"، وأخصر، وكذا قوله (رأيت فلانا يقلد الدر في أعناق الخنازير، فكنى به عن إفشاء العلم) ونشره (وبث الحكمة إلى غير أهلها؛ فالمستمع قد يسبق إلى فهمه) أول وهلة (ظاهره) الذي هو تقليد الدر في أعناق الخنازير حقيقة (والمحقق) الكامل (إذا نظر) ببصيرته (وعلم أن ذلك الإنسان لم يكن معه در) وهو الجوهر المعروف (ولا كان في موضعه خنزير) وهو الحيوان المعروف (تفطن لدرك السر الباطن) فوجده أراد بالدر العلم والحكمة، وأراد بالخنزير الجهال والبلداء، وأراد بالتعليق البث والإفادة .

(فيتفاوت الناس بذلك) أي: من هنا جاء التفاوت في فهوم الناس (ومن هذا) القسم قال الشاعر:


رجلان خياط وآخر حائك متقابلان على السماك الأول



السماك بالكسر نجم نير وينزله القمر، وهما سماكان، الأعزل ورامح، وفي بعض النسخ: "السماك الأعزل"، ورامح، وفي بعضها: "السماء الأول" .


لا زال ينسج ذاك خرقة مدبر ويخيط صاحبه ثياب المقبل



وفي البيت لف ونشر غير مرتب، وبين المقبل والمدبر حسن مقابلة؛ (فإنه) أي: الشاعر (عبر عن سبب سماوي) هكذا قالوا، ومنسوب إلى السماء، والهمزة تقلب واوا عند النسب، وفي نسخة: "سمائي" (في الإقبال والإدبار برجلين صانعين) الخياط والحائك (وهذا النوع يرجع إلى التعبير عن المعنى) المراد (بالصور التي تتضمن عين المعنى أو مثله) وله نظائر كثيرة .




الخدمات العلمية