الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ مَا عَلَى الْمَمْدُوحِ . اعْلَمْ أَنَّ عَلَى الْمَمْدُوحِ أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ آفَةِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ ، وَآفَةِ الْفُتُورِ وَلَا يَنْجُو مِنْهُ إِلَّا بِأَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ وَيَتَأَمَّلَ مَا فِي خَطَرِ الْخَاتِمَةِ وَدَقَائِقِ الرِّيَاءِ وَآفَاتِ الْأَعْمَالِ فَإِنَّهُ يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمَادِحُ وَلَوِ انْكَشَفَ لَهُ جَمِيعُ أَسْرَارِهِ وَمَا يَجْرِي عَلَى خَوَاطِرِهِ لَكَفَّ الْمَادِحُ عَنْ مَدْحِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ كَرَاهَةَ الْمَدْحِ بِإِذْلَالِ الْمَادِحِ . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَادِحِينَ . إتحاف السادة المتقين ( بَيَانُ مَا عَلَى الْمَمْدُوحِ ) (اِعْلَمْ) وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّ عَلَى الْمَمْدُوحِ أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ آفَةِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ، وَآفَةِ الْفُتُورِ) ؛ فَإِنَّهَا مُهْلِكَاتٌ (وَلَا يَنْجُو) الْمَمْدُوحُ، (عَنْهُ إِلَّا بِأَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ) بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ، (وَيَتَأَمَّلَ فِي خَطَرِ الْخَاتِمَةِ) ، فَإِنَّ خَطَرَهَا شَدِيدٌ; لِأَنَّهَا تَضْحَكُ عَلَى الْأَعْمَالِ، (وَ) يَتَأَمَّلَ فِي (دَقَائِقِ الرِّيَاءِ) ، فَإِنَّهَا مِنْ خَفِيِّ الشِّرْكِ، (وَآفَاتِ الْأَعْمَالِ) ، وَأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ بِإِخْلَاصٍ، (وَأَنَّهُ يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَا يَعْرِفُ الْمَادِحُ) ، فَيَقُولَ: أَنَا أَعْرَفُ بِنَفْسِي مِنْكَ. (وَلَوِ انْكَشَفَ لَهُ جَمِيعُ أَسْرَارِهِ) ، وَمَا فِي بَاطِنِهِ، (وَمَا يَجْرِي عَلَى خَوَاطِرِهِ) مِمَّا لَا يَخْلُو مِنْهُ الْإِنْسَانُ (لَكَفَّ الْمَادِحُ عَنْ مَدْحِهِ) ، وَامْتَنَعَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالتَّزْكِيَةِ، هَذَا حَالُ الْعَارِفِينَ بِاللَّهِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ. (وَعَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ كَرَاهِيَةَ الْمَدْحِ بِإِذْلَالِ الْمَادِحِ) إِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ سَلَامَةً لِحَالِهِ، أَوْ عَدَمَ إِكْرَامِهِ بِالْبَذْلِ لَهُ فِي نَظِيرِ مَا مَدَحَهُ، وَلَوْ بِالسُّكُوتِ عِنْدَهُ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ بِوَجْهِهِ، وَإِدْخَالِ كَلَامٍ آخَرَ أَجْنَبِيِّ، كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ الْمَدْحَ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَدْحُ بِمَنْثُورٍ مِنَ الْقَوْلِ، أَوْ بِمَنْظُومٍ، بِأَنْ مَدَحَهُ بِقَصِيدَةٍ، وَالْبَلَاءُ فِي هَذَا أَكْثَرُ؛ فَإِنَّ الشَّاعِرَ يُجَازِفُ فِي كَلَامِهِ كَثِيرًا، فَإِنَّ أَكْذَبَهُ أَعْذَبُهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالْمَدْحِ، (وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اُحْثُوا) أَيْ: ارْمُوا، (فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ) بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْمَدْحُ كَثِيرًا حَتَّى اتَّخَذَهُ صِنَاعَةً وَبِضَاعَةً يَتَأَكَّلُ بِهَا النَّاسَ، وَجَازَفَ فِي الْأَوْصَافِ وَأَكْثَرَ الْكَذِبَ، (التُّرَابَ) أَيْ: فَلَا تُعْطُوهُمْ عَلَى الْمَدْحِ شَيْئًا، فَالْحَثْوُ كِنَايَةٌ عَنِ الْحِرْمَانِ، وَالرَّدِّ، وَالتَّخْجِيلِ، يُقَالُ: حَثَا فِي وَجْهِهِ الرَّمَادَ، إِذَا أَخْجَلَهُ، أَوِ الْمُرَادُ: قُولُوا لَهُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ: التُّرَابُ. وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ لِمَنْ يَكْرَهُونَهُ فَيَقُولُونَ: بِعَيْنِهِ الْإِثَابُ. وَهِيَ بِالْكَسْرِ وَالْمُثَلَّثَةِ السَّاكِنَةِ: التُّرَابُ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الذُّلِّ وَالْخَيْبَةِ، أَوِ الْمُرَادُ: أَعْطُوهُمْ مَا طَلَبُوا; لِأَنَّ كُلَّ مَا فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابٌ، فَشَبَّهَ الْإِعْطَاءَ بِالْحَثْوِ، عَلَى سَبِيلِ التَّرْشِيحِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّقْلِيلِ وَالِاسْتِهَانَةِ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْبَيْضَاوِيُّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَيُرْمَى فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابُ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ عَرَبِيٍّ ، قَالَ: وَصُورَتُهُ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، وَتَرْمِيَ بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَقُولَ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مَنْ خُلِقَ مِنْ هَذَا؟ وَمَنْ أَنَا؟ وَمَا قَدْرِي؟ تُوَبِّخُ بِذَلِكَ نَفْسَكَ وَنَفْسَهُ، وَتُعَرِّفُ الْمَادِحَ قَدْرَكَ وَقَدْرَهُ، هَكَذَا، فَلْيُحْثَ التُّرَابُ فِي وُجُوهِهِمْ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إِذَا رَأَى شَخْصًا رَاكِبًا ذَا شَارَةٍ تُعَظِّمُهُ النَّاسُ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، يَقُولُ لَهُ وَلَهُمْ: تُرَابٌ رَاكِبٌ عَلَى تُرَابٍ. قُلْتُ: وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَمَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ إِذَا رَأَيْنَا الْمَدَّاحِينَ أَنْ نَحْثُوَ فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بِلَفْظِ الْمُصَنِّفِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَدِيٍّ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ "فِي أَفْوَاهِ"، بَدَلَ "وُجُوهِ"، وَفِي لَفْظٍ: "الْمَادِحِينَ"، بَدَلَ "الْمَدَّاحِينَ" .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية