الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ الْمَوَاعِظِ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا وَصَفَتِهَا . قَالَ بَعْضُهُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، اعْمَلُوا عَلَى مَهَلٍ وَكُونُوا مِنَ اللَّهِ عَلَى وَجِلٍ وَلَا تَغْتَرُّوا بِالْأَمَلِ ، وَنِسْيَانِ الْأَجَلِ ، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا ، فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ قَدْ تَزَخْرَفَتْ لَكُمْ بِغُرُورِهَا ، وَفَتَنَتْكُمْ بِأَمَانِيهَا ، وَتَزَيَّنَتْ لِخِطَابِهَا فَأَصْبَحَتْ كَالْعَرُوسِ الْمُجْلِيَةِ الْعُيُونُ إِلَيْهَا نَاظِرَةٌ ، وَالْقُلُوبُ عَلَيْهَا عَاكِفَةٌ وَالنُّفُوسُ لَهَا عَاشِقَةٌ ، فَكَمْ مِنْ عَاشِقٍ لَهَا قَتَلَتْ ، وَمُطْمَئِنٍّ إِلَيْهَا خَذَلَتْ ، فَانْظُرُوا إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ ، فَإِنَّهَا دَارٌ كَثِيرٌ بَوَائِقُهَا وَذَمَّهَا خَالِقُهَا جَدِيدُهَا يَبْلَى ، وَمُلْكُهَا يَفْنَى ، وَعَزِيزُهَا يَذِلُّ ، وَكَثِيرُهَا يَقِلُّ وَحَيُّهَا يَمُوتُ ، وَخَيْرُهَا يَفُوتُ فَاسْتَيْقِظُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِنْ غَفْلَتِكُمْ ، وَانْتَبِهُوا مِنْ رَقْدَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ يُقَالَ : فُلَانٌ عَلِيلٌ أَوْ مُدْنِفٌ ثَقِيلٌ فَهَلْ : عَلَى الدَّوَاءِ مِنْ دَلِيلٍ ، وَهَلْ إِلَى الطَّبِيبِ مِنْ سَبِيلٍ فَتُدْعَى لَكَ الْأَطِبَّاءُ ، وَلَا يُرْجَى لَكَ الشِّفَاءُ ، ثُمَّ يُقَالُ : فُلَانٌ أَوْصَى وَلِمَالِهِ أَحْصَى ثُمَّ يُقَالُ : قَدْ ثَقُلَ لِسَانُهُ ، فَمَا يُكَلِّمُ إِخْوَانَهُ ، وَلَا يَعْرِفُ جِيرَانَهُ ، وَعَرَقَ عِنْدَ ذَلِكَ جَبِينُكَ ، وَتَتَابَعَ أَنِينُكَ وَثَبَتَ يَقِينُكَ ، وَطَمَحَتْ جُفُونُكَ ، وَصَدَقَتْ ظُنُونُكَ ، وَتَلَجْلَجَ لِسَانُكَ ، وَبَكَى إِخْوَانُكَ ، وَقِيلَ لَكَ : هَذَا ابْنُكُ فُلَانٌ ، وَهَذَا أَخُوكَ فُلَانٌ وَمُنِعْتَ مِنَ ، الْكَلَامَ فَلَا تَنْطِقُ وَخُتِمَ عَلَى لِسَانِكَ فَلَا يَنْطَلِقُ ، ثُمَّ حَلَّ بِكَ الْقَضَاءُ وَانْتُزِعَتْ نَفْسُكَ مِنَ الْأَعْضَاءِ ، ثُمَّ عُرِجَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَ ذَلِكَ إِخْوَانُكَ ، وَأُحْضِرَتْ أَكْفَانُكَ ، فَغَسَّلُوكَ ، وَكَفَّنُوكَ ، فَانْقَطَعَ عُوَّادُكَ وَاسْتَرَاحَ حُسَّادُكَ ، وَانْصَرَفَ أَهْلُكَ إِلَى مَالِكَ ، وَبَقِيتَ مُرْتَهِنًا بِأَعْمَالِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ الْمُلُوكِ : إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِذَمِّ الدُّنْيَا ، وَقَلَاهَا مَنْ بُسِطَ لَهُ فِيهَا وَأُعْطِيَ حَاجَتَهُ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ آفَةً تَعْدُو عَلَى مَالِهِ ، فَتَجْتَاحُهُ أَوْ عَلَى جَمْعِهِ ، فَتُفَرِّقُهُ ، أَوْ تَأْتِي سُلْطَانَهُ فَتَهْدِمُهُ مِنِ الْقَوَاعِدِ أَوْ تَدِبُّ إِلَى جِسْمِهِ ، فَتُسْقِمُهُ أَوْ تُفْجِعُهُ بِشَيْءٍ هُوَ ضَنِينٌ بِهِ بَيْنَ أَحْبَابِهِ ، فَالدُّنْيَا أَحَقُّ بِالذَّمِّ ، هِيَ الْآخِذَةُ مَا تُعْطِي ، الرَّاجِعَةُ فِيمَا تَهَبُ ، بَيْنَا هِيَ تُضْحِكُ صَاحِبَهَا إِذْ ; أَضْحَكَتْ مِنْهُ غَيْرَهُ ، وَبَيْنَا تَبْكِي لَهُ ; إِذْ أَبْكَتْ عَلَيْهِ ، وَبَيْنَا هِيَ تَبْسُطُ كَفَّهَا بِالْإِعْطَاءِ ; إِذْ بَسَطَتْهَا بِالِاسْتِرْدَادِ فَتَعْقِدُ ، التَّاجَ عَلَى رَأْسِ صَاحِبِهَا الْيَوْمَ ، وَتُعَفِّرُهُ بِالتُّرَابِ غَدًا سَوَاءٌ عَلَيْهَا ذَهَابُ مَا ذَهَبَ وَبَقَاءُ مَا بَقِيَ تَجِدُ فِي الْبَاقِي مِنَ الذَّاهِبِ خَلَفًا وَتَرْضَى بِكُلٍّ مِنْ كُلٍّ بَدَلًا وَكَتَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ ظَعْنٍ لَيْسَتْ بِدَارِ إِقَامَةٍ ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَيْهَا عُقُوبَةً فَاحْذَرْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّ الزَّادَ مِنْهَا تَرْكُهَا وَالْغِنَى ، مِنْهَا فَقْرُهَا ، لَهَا فِي كُلِّ حِينٍ قَتِيلٌ ، تُذِلُّ مَنْ أَعَزَّهَا ، وَتُفْقِرُ مَنْ جَمَعَهَا ، هِيَ كَالسُّمِّ يَأْكُلُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَفِيهِ ، حَتْفُهُ فَكُنْ فِيهَا كَالْمُدَاوِي جِرَاحَهُ يَحْتَمِي قَلِيلًا مَخَافَةَ مَا يَكْرَهُ طَوِيلًا ، وَيَصْبِرُ عَلَى شِدَّةِ الدَّوَاءِ مَخَافَةَ طُولِ الدَّاءِ ، فَاحْذَرْ هَذِهِ الدَّارَ الْغَدَّارَةَ الْخَتَّالَةَ الْخَدَّاعَةَ الَّتِي قَدْ تَزَيَّنَتْ بِخُدَعِهَا ، وَفَتَنَتْ بِغُرُورِهَا وَحَلَتْ ، بِآمَالِهَا وَسَوَّفَتْ بِخُطَّابِهَا ، فَأَصْبَحَتْ كَالْعَرُوسِ الْمُجْلِيَةِ الْعُيُونُ ، إِلَيْهَا نَاظِرَةٌ ، وَالْقُلُوبُ عَلَيْهَا وَالِهَةٌ ، وَالنُّفُوسُ لَهَا عَاشِقَةٌ ، وَهِيَ لِأَزْوَاجِهَا كُلِّهِمْ قَالِيَةٌ فَلَا الْبَاقِي بِالْمَاضِي مُعْتَبِرٌ ، وَلَا الْآخِرُ بِالْأَوَّلِ مُزْدَجِرٌ ، وَلَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ أَخْبَرَهُ عَنْهَا مُدَّكِرٌ ، فَعَاشِقٌ لَهَا قَدْ ظَفِرَ مِنْهَا بِحَاجَتِهِ ، فَاغْتَرَّ وَطَغَى ، وَنَسِيَ الْمَعَادَ فَشُغِلَ فِيهَا لُبُّهُ حَتَّى زَلَّتْ بِهِ قَدَمُهُ ، فَعَظُمَتْ نَدَامَتُهُ ، وَكَثُرَتْ حَسْرَتُهُ ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ وَتَأَلُّمُهُ ، وَحَسَرَاتُ الْفَوْتِ بِغُصَّتِهِ وَرَاغِبٌ ، فِيهَا لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا مَا طَلَبَ ، وَلَمْ يُرَوِّحْ نَفْسَهُ مِنَ التَّعَبِ ، فَخَرَجَ بِغَيْرِ زَادٍ ، وَقَدِمَ عَلَى غَيْرِ مِهَادٍ فَاحْذَرْهَا ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكُنْ أَسَرَّ مَا تَكُونُ فِيهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ لَهَا ، فَإِنَّ صَاحِبَ الدُّنْيَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ مِنْهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ إِلَى مَكْرُوهٍ السَّارُّ فِي أَهْلِهَا غَارٌ وَالنَّافِعُ فِيهَا غَدًا ضَارٌّ ، وَقَدْ وَصَلَ الرَّخَاءُ مِنْهَا بِالْبَلَاءِ ، وَجُعِلَ الْبَقَاءُ فِيهَا إِلَى فِنَاءٍ فَسُرُورُهَا ، مَشُوبٌ بِالْأَحْزَانِ ، لَا يَرْجِعُ مِنْهَا مَا وَلَّى وَأَدْبَرَ ، وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ آتٍ ، فَيَنْتَظِرُ ، أَمَانِيهَا كَاذِبَةٌ ، وَآمَالُهَا بَاطِلَةٌ ، وَصَفُوهَا كَدَرٌ ، وَعَيْشُهَا نَكَدٌ ، وَابْنُ آدَمَ فِيهَا عَلَى خَطَرٍ إِنْ عَقَلَ وَنَظَرَ فَهُوَ مِنَ النَّعْمَاءِ عَلَى خَطَرٍ ، وَمِنَ الْبَلَاءِ عَلَى الْحَذَرِ ، فَلَوْ كَانَ الْخَالِقُ لَمْ يُخْبِرْ عَنْهَا خَبَرًا ، وَلَمْ يَضْرِبْ لَهَا مَثَلًا ، لَكَانَتِ الدُّنْيَا قَدْ أَيْقَظَتِ النَّائِمَ ، وَنَبَّهَتِ الْغَافِلَ ، فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا زَاجِرٌ ، وَفِيهَا وَاعِظٌ ? فَمَا لَهَا عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْرٌ وَمَا نَظَرَ إِلَيْهَا مُنْذُ خَلَقَهَا وَلَقَدْ عُرِضَتْ عَلَى نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَفَاتِيحِهَا ، وَخَزَائِنِهَا لَا يَنْقُصُهُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحُ بَعُوضَةٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا إِذْ كَرِهَ أَنْ يُخَالِفَ عَلَى اللَّهِ أَمْرَهُ ، أَوْ يُحِبَّ مَا أَبْغَضَهُ خَالِقُهُ ، أَوْ يَرْفَعَ مَا وَضَعَ مَلِيكُهُ ، فَزَوَاهَا عَنِ الصَّالِحِينَ اخْتِبَارًا ، وَبَسَطَهَا لِأَعْدَائِهِ اغْتِرَارًا فَيَظُنُّ الْمَغْرُورُ بِهَا الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهَا أَنَّهُ أُكْرِمَ بِهَا وَنَسِيَ مَا صَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَدَّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ . وَلَقَدْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ ، عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا ، فَقُلْ : ذَنْبٌ عُجَّلَتْ عُقُوبَتُهُ ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا ، فَقُلْ مَرْحَبًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وَإِنْ شِئْتَ اقْتَدَيْتَ بِصَاحِبِ الرُّوحِ ، وَالْكَلِمَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِدَامِي : الْجُوعُ ، وَشِعَارِي الْخَوْفُ ، وَلِبَاسِي الصُّوفُ ، وَصِلَائِي فِي الشِّتَاءِ فِي مَشَارِقِ الشَّمْسِ ، وَسِرَاجِي الْقَمَرُ ، وَدَابَّتِي رِجْلَايَ ، وَطَعَامِي وَفَاكِهَتِي مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ ، أَبِيتُ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ ، وَأَصْبَحَ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ ، وَلَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ أَغْنَى مِنِّي . إتحاف السادة المتقين (بَيَانُ الْمَوَاعِظِ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا وَصَفَتِهَا) (قَالَ بَعْضُهُمْ) فِي مَوْعِظَتِهِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اعْمَلُوا عَلَى مَهَلٍ) ، أَيْ: فِي مُهْلَةٍ مِنْ عُمْرِكُمْ، (وَكُونُوا مِنَ اللَّهِ) - عَلَا وَجَلَّ - (عَلَى وَجِلٍ) ، أَيْ: خَوْفٍ مِنْهُ، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ: كُنْ مِنْ مَوَاهِبِ ذَا الْكَرِيمِ عَلَا وَجَلَّ عَلَى وَجَلٍ وَاعْلَمْ بِأَنَّ قَضَاءَهُ حَتْمٌ أَجَلٌّ وَلَهُ أَجَلُ (وَلَا تَغْتَرُّ بِالْأَمَلِ، وَنِسْيَانِ الْأَجَلِ، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا غَدَّارَةٌ) كَثِيرَةُ الْغَدْرِ (خَدَّاعَةٌ) كَثِيرَةُ الْخِدَاعِ (قَدْ تَزَخْرَفَتْ لَكُمْ بِغُرُورِهَا، وَفَتَنَتْكُمْ بِأَمَانِيهَا، وَتَزَيَّنَتْ لِخِطَابِهَا فَأَصْبَحَتْ كَالْعَرُوسِ الْمُجْلِيَةِ) عِنْدَ إِهْدَائِهَا لِزَوْجِهَا، (الْعُيُونُ إِلَيْهَا نَاظِرَةٌ، وَالْقُلُوبُ عَلَيْهَا عَاكِفَةٌ) ، أَيْ: مُقِيمَةٌ مَحْبُوسَةٌ، (وَالنُّفُوسُ لَهَا عَاشِقَةٌ، فَكَمْ مِنْ عَاشِقٍ لَهَا قَتَلَتْ، وَمُطْمَئِنٍّ إِلَيْهَا خَذَلَتْ، فَانْظُرُوا إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهَا دَارٌ كَثُرَتْ بَوَائِقُهَا) ، أَيْ: دَوَاهِيهَا، (وَذَمَّهَا خَالِقَهَا) هُوَ أَعْرَفُ بِهَا مِنَّا، (جَدِيدُهَا يَبْلَى، وَمُلْكُهَا يَفْنَى، وَعَزِيزُهَا يُذِلُّ، وَكَثِيرُهَا يَقِلُّ، وَحَيُّهَا مَيِّتٌ، وَخَيْرُهَا يَفُوتُ) ، أَيْ: لَا يَسْتَمِرُّ (فَاسْتَيْقِظُوا مِنْ غَفْلَتِكُمْ، وَانْتَبِهُوا مِنْ رَقْدَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ عَلِيلٌ) ، أَيْ: مَرِيضٌ، (أَوْ مُدْنَفٌ) كَمُكْرَمٌ مَنْ لَازَمَهُ الدَّنَفُ مُحَرَّكَةٌ، أَيْ: الْمَرَضُ، وَقَدْ دَنِفَ كَعَلِمَ، أَوْ أَدْنَفَ، أَوْ أَدْنَفَهُ الْمَرَضُ، (فَقِيلَ: فَهَلْ عَلَى الدَّوَاءِ مِنْ دَلِيلٍ، وَهَلْ إِلَى الطَّبِيبِ مِنْ سَبِيلٍ فَيُدْعَى لَكَ الْأَطِبَّاءُ، وَلَا يُرْجَى لَكَ الشِّفَاءُ، ثُمَّ يُقَالُ: فُلَانٌ أَوْصَى) بِكَذَا، وَكَذَا، (وَلِمَالِهِ أَحْصَى) ، أَيْ: ضَبَطَ، (ثُمَّ يُقَالُ: قَدْ ثَقُلَ لِسَانُهُ، فَمَا يُكَلِّمُ إِخْوَانَهُ، وَلَا يَعْرِفُ جِيرَانَهُ، وَعَرَقَ عِنْدَ ذَلِكَ جَبِينُكَ، وَتَتَابَعَ أَنِينُكَ) ، وَهُوَ صَوْتُ الْمَرِيضِ، وَتَتَابُعُهُ تَعَاقُبُهُ، (وَثَبَتَ يَقِينُكَ، وَطَمَحَتْ جُفُونُكَ، وَصَدَقَتْ ظُنُونُكَ، وَتَلَجْلَجَ لِسَانُكَ، وَبَكَى إِخْوَانُكَ، وَقِيلَ لَكَ: هَذَا ابْنُكُ فُلَانٌ، وَهَذَا أَخُوكَ فُلَانٌ، مُنِعْتَ الْكَلَامَ فَلَا تَنْطِقُ) لِشِدَّةِ مَا نَزَلْ بِكَ، (وَخُتِمَ عَلَى لِسَانِكَ فَلَا يَنْطَلِقُ، ثُمَّ حَلَّ بِكَ الْقَضَاءُ) الْمَحْتُومَ، (وَانْتُزِعَتْ نَفْسُكَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَ ذَلِكَ إِخْوَانُكَ، وَأُحْضِرَتْ أَكْفَانُكَ، فَغَسَّلُوكَ، وَكَفَّنُوكَ، فَانْقَطَعَ عُوَّادُكَ) الَّذِينَ كَانُوا يَعُودُونَكَ أَيَّامَ الْمَرَضِ، (وَاسْتَرَاحَ حُسَّادُكَ، وَانْصَرَفَ أَهْلُكَ إِلَى مَالِكَ، وَبَقِيتَ مُرْتَهِنًا) ، أَيْ: مَحْبُوسًا (بِأَعْمَالِكَ) إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ . وَفِي كَلَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ: بَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا، وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلِّ عَيْشٍ غُفُولٍ; إِذْ وَطَأَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ، وَنَقَصَتِ الْأَيَّامُ قُوَاهُ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُقُوقُ مِنْ كَثَفٍ، فَخَالَطَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَمَحَاهُ مِنْهُمْ مَا كَانَ يَجِدُهُ، وَتَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ أَنْسَى مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ، فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارِّ الْقَارِّ، وَتَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ، فَلَمْ يُطْفِئْ بِبَارِدٍ إِلَّا نُورُ حَرَارَةٍ، وَلَا حَرَّكَ بِحَارٍّ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً، وَلَا اعْتَدَلَ بِمُمَازَجٍ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ، وَزَهِدَ مُمَرِّضُهُ، وَتَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ، وَخَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّائِلِينَ عَنْهُ، وَتَنَازَعَ دُونَهُ شَبَحًا خَيْرٌ يَكْتُمُونَهُ، فَقَائِلٌ: هُوَ لَمَّا بِهِ، وَمِمَّنْ لَهُمْ إِيَابُ عَاقَبَتِهِ، وَمُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْرِهِ، يَذْكُرُ لَهُمْ أَسَى الْمَاضِينَ مَنْ قَبْلِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ أُفِّ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ الْأَحِبَّةِ; إِذْ عَارَضَ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ الْمُلُوكِ: إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِذَمِّ الدُّنْيَا، وَقَلَاهَا) ، أَيْ: بُغْضَهَا (مَنْ بُسِطَ لَهُ فِيهَا وَأُعْطِي حَاجَتَهُ مِنْهَا; لِأَنَّهُ يَتَوَقَّعُ آفَةً تَعْدُو عَلَى مَالِهِ، فَتَجْتَاحُهُ) ، أَيْ: تَسْتَأْصِلُهُ بِالْهَلَاكِ، (أَوْ عَلَى جَمْعِهِ، فَتُفَرِّقُهُ، أَوْ تَأْتِي سُلْطَانَهُ فَتَهْدِمُهُ مِنِ الْقَوَاعِدِ) فَلَا يَثْبُتُ لَهُ سُلْطَانُهُ، (أَوْ تَدِبُّ إِلَى جَنْبِهِ، فَتُسْقِمُهُ) ، أَيْ: تُمَرِضُهُ، (أَوْ تُفْجِعُهُ بِشَيْءٍ هُوَ ضَنِينٌ بِهِ) ، أَيْ: بَخِيلٌ (مِنْ أَحْبَابِهِ، فَالدُّنْيَا أَحَقُّ بِالذَّمِّ، هِيَ الْآخِذَةُ مَا تُعْطِي، الرَّاجِعَةُ فِيمَا تَهَبُ، بَيْنَا هِيَ تُضْحِكُ صَاحِبَهَا; إِذْ أَضْحَكَتْ مِنْهُ غَيْرَهُ، وَبَيْنَا هِيَ تَبْكِي لَهُ; إِذْ أَبْكَتْ عَلَيْهِ، وَبَيْنَا هِيَ تَبْسُطُ كَفَّهُ بِالْإِعْطَاءِ; إِذْ بَسَطَتْهَا بِالِاسْتِرْدَادِ، تَعْقِدُ التَّاجَ عَلَى رَأْسِ صَاحِبِهَا الْيَوْمَ، وَتُعَفِّرُهُ فِي التُّرَابِ غَدًا) ، أَيْ: بَعْدَ أَنْ تَجْعَلَهُ رَئِيسًا مُمَلَّكًا إِذَا هُوَ مُعَفَّرٌ تَحْتَ التُّرَابِ، سَوَاءٌ عَلَيْهَا ذَهَابُ مَا ذَهَبَ، وَبَقَاءُ مَا بَقِيَ، تَجِدُ فِي الْبَاقِي مِنَ الذَّاهِبِ خَلَفًا، وَتَرْضَى مِنْ كُلٍّ بَدَلًا، فَمَنْ هَذَا وَصْفُهُ فَهُوَ حَرِيُّ بِأَنْ يُقْلَى وَيَذُمُّ . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الدُّنْيَا هَكَذَا . (وَكَتَبَ الْحَسَنُ) الْبَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعِظُهُ فِي كِتَابِهِ حِينَ وُلِّيَ الْخِلَافَةَ (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ ظَعْنٍ) ، أَيْ: سَفَرٍ (لَيْسَتْ بِدَارِ إِقَامَةٍ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَيْهَا عُقُوبَةً) لِمَا صَدَرَ مِنْهُ (مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَوَامِرِ) ، وَفِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْفَضْلِ، قَالَ: لَيْسَتِ الدَّارُ دَارَ إِقَامَةٍ، وَإِنَّمَا أُهْبِطَ آدَمُ إِلَيْهَا عُقُوبَةً; أَلَّا تَرَى كَيْفَ يَزْوِيهَا عَنْهُ، وَيُمَرِّرُهَا عَلَيْهِ (فَاحْذَرْهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ الزَّادَ مِنْهَا تَرْكُهَا، وَالْغِنَى مِنْهَا فَقْرُهَا، لَهَا فِي كُلِّ حِينٍ قَتِيلٌ، تُذِلُّ مَنْ عَزَّهَا، وَتُفْقِرُ مَنْ جَمَعَهَا، هِيَ كَالسُّمِّ يَأْكُلُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، وَهُوَ حَتْفُهُ) ، أَيْ: مَوْتُهُ، (فَكُنْ فِيهَا كَالْمُدَاوِي جِرَاحَتَهُ يَحْتَمِي قَلِيلًا مَخَافَةَ مَا يَكْرَهُ طَوِيلًا، وَيَصْبِرُ عَلَى شِدَّةِ الدَّوَاءِ مَخَافَةَ طُولِ الْبَلَاءِ، فَاحْذَرْ هَذِهِ الدَّارَ الْغَادِرَةَ الْخَتَّالَةَ) ، أَيْ: الْكَثِيرَةُ الْخَتْلِ (الْخَدَّاعَةَ الَّتِي قَدْ تَزَيَّنَتْ بِخُدَعِهَا، وَفَتَنَتْ بِغُرُورِهَا، وَخَلَتْ بِآمَالِهَا، وَتَشَوَّفَتْ لِخِطَابِهَا) وَفِي نُسْخَةٍ: سَوَّفَتْ بِخِطَابِهَا (فَأَصْبَحَتْ كَالْعَرُوسِ الْمُجْلِيَةِ الْمُزَيَّنَةِ، فَالْعُيُونُ إِلَيْهَا نَاظِرَةٌ، وَالْقُلُوبُ عَلَيْهَا وَالِهَةٌ، وَالنُّفُوسُ لَهَا عَاشِقَةٌ، وَهِيَ لِأَزْوَاجِهَا كُلِّهِمْ قَاتِلَةٌ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: قَالِيَةٌ، أَيْ: بَاغِضَةٌ، (فَلَا الْبَاقِي بِالْمَاضِي مُعْتَبَرٌ، وَلَا الْآخِرُ بِالْأَوَّلِ مُزْدَجَرٌ، وَلَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - حِينَ أَخْبَرَهُ عَنْهَا مُدَّكَرٌ، فَعَاشِقٌ لَهَا قَدْ ظَفِرَ مِنْهَا بِحَاجَتِهِ، فَاغْتَرَّ وَطَغَى، وَنَسِيَ الْمَعَادَ فَشُغِلَ فِيهَا عَنِ اللَّهِ حَتَّى زَلَّتْ قَدَمُهُ، فَعَظُمَتْ نَدَامَتُهُ، وَكَثُرَتْ حَسْرَتُهُ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ بِأَلَمِهِ، وَحَسَرَاتُ الْفَوْتِ بِغُصَّتِهِ، وَمِنْ رَاغِبٍ فِيهَا لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا مَا طَلَبَ، وَلَمْ يُرَوِّحْ نَفْسَهُ مِنَ التَّعَبِ، فَخَرَجَ بِغَيْرِ زَادٍ، وَقَدِمَ عَلَى غَيْرِ مِهَادٍ، فَاحْذَرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَكُنْ أَسَرَّ مَا تَكُونُ فِيهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ لَهَا، فَإِنَّ صَاحِبَ الدُّنْيَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ إِلَى مَكْرُوهٍ) ، أَيْ: أَصْدَرَتْهُ وَرَفَعَتْهُ (السَّارُّ فِي أَهْلِهَا غَارٌ) ، أَيْ: مَغْرُورٌ، (وَالنَّافِعُ فِيهَا غَدًا ضَارٌّ، وَقَدْ وَصَلَ الرَّخَاءُ مِنْهَا بِالْبَلَاءِ، وَجُعِلَ الْبَقَاءُ فِيهَا إِلَى الْفَنَاءِ، فَسُرُورُهَا مَشُوبٌ) ، أَيْ: مَخْلُوطٌ (بِالْأَحْزَانِ، لَا يَرْجِعُ مِنْهَا مَا وَلَّى وَأَدْبَرَ، وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ آتٍ، فَيَنْتَظِرُ، أَمَانِيهَا كَاذِبَةٌ، وَآمَالُهَا بَاطِلَةٌ، وَصَفُوهَا كَدَرٌ، وَعَيْشُهَا نَكَدٌ، وَابْنُ آدَمَ فِيهَا عَلَى خَطَرٍ، وَمِنَ الْبَلَاءِ عَلَى حَذَرٍ، فَلَوْ كَانَ الْخَالِقُ) تَعَالَى (لَمْ يُخْبِرْ عَنْهَا خَبَرًا، وَلَمْ يَضْرِبْ لَهَا مَثَلًا، لَكَانَتِ الدُّنْيَا قَدْ أَيْقَظَتِ النَّائِمَ، وَنَبَّهَتِ الْغَافِلَ، فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْهَا زَاجِرٌ، وَفِيهَا وَاعِظٌ؟ فَمَا لَهَا عِنْدَ اللَّهِ قَدَرٌ) ، أَيْ: قِيمَةٌ، (وَمَا نَظَرَ إِلَيْهَا مُنْذُ خَلَقَهَا) نَظَرَ رِضَا، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ، (وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَى نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَفَاتِحِهَا، وَخَزَائِنِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحُ بَعُوضَةٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: هَكَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مُتَّصِلًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوَيْهِبَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ فِيهِ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكَ خَزَائِنَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدِ، ثُمَّ الْجَنَّةَ... الْحَدِيثَ . وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا... الْحَدِيثَ، وَقَالَ: حَسَنٌ، وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ؛ (إِذْ كَرِهَ أَنْ يُخَالِفَ عَلَى اللَّهِ أَمْرَهُ، أَوْ يُحِبَّ مَا أَبْغَضَ خَالِقَهُ، أَوْ يَرْفَعَ مَا وَضَعَ مَلِيكَهُ، فَزَوَاهَا عَنِ الصَّالِحِينَ اخْتِيَارًا، وَبَسَطَهَا لِأَعْدَائِهِ اغْتِرَارًا) ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا، وَصَغَّرَهَا، وَأَهْوَنَهَا، وَهَوَّنَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَارًا، وَبَسَطَهَا عَلَى غَيْرِهِ احْتِقَارًا، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ؛ لِئَلَّا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشًا، أَوْ يَرْجُو مِنْهَا مَعَاشًا، (فَيَظُنُّ الْمَغْرُورُ بِهَا الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهَا أَنَّهُ أُكْرِمَ بِهَا) حَيْثُ أُعْطِيهَا، (وَنَسِيَ مَا صَنَعَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَدَّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ) . هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: رَفَعْنَا عَنْ بُطُونِنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَجَرَيْنِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، (وَلَقَدْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، عَنْ رَبِّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: إِذَا رَأَيْتَ الْغَنِيَّ مُقْبِلًا، فَقُلْ: ذَنْبٌ عَجَّلْتُ عُقُوبَتَهُ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا، فَقُلْ مَرْحَبًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ ) ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْقُوتِ مَعَ زِيَادَةِ جُمْلَةِ: قَبْلَهُ، وَرَوَاهُ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْأَزْهَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ فُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: قِيلَ لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: يَا مُوسَى، إِذَا رَأَيْتَ، فَسَاقَهُ مِثْلَ سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ . وَأَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: فَسَاقَهُ، (فَإِنْ شِئْتَ اقْتَدَيْتَ بِصَاحِبِ الرُّوحِ، وَالْكَلِمَةِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَيْثُ كَانَ يَقُولُ: أَدَامِي الْجُوعُ، وَشِعَارَيِ الْخَوْفُ، وَلِبَاسِي الصُّوفُ، وَصِلَائِي) ، أَيْ: دِفَائِي يُقَالُ: صَلَى بِالنَّارِ وَبِالشَّمْسِ إِذَا تَدَفَّأَ بِهَا، (فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الشَّمْسِ، وَسِرَاجِي الْقَمَرُ، وَدَابَّتِي رِجْلَايَ، وَطَعَامِي وَفَاكِهَتِي مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، أَبِيتُ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَأَصْبَحَ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ أَغْنَى مِنِّي) ، وَفِي خُطْبَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ: وَلَقَدْ كَانَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَكَ فِيهِ الْأُسْوَةُ، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا، وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةُ فَخَّارِهَا; إِذْ قُيِّضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا، وَوَطِئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا، وَفُطِمَ مِنْ رِضَاعِهَا، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا، وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتَ بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِذْ يَقُولُ: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ، وَاللَّهِ مَا سَأَلَ إِلَّا خُبْزًا يَأْكُلُهُ; لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ حَضْرَةُ الْبَقْلَةِ تُرَى مِنْ صَفِيقِ بَطْنِهِ لِهُزَالِهِ، وَتَشَاكُلِ لَحْمِهِ، وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتَ بِدَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَعْمَلُ شَقَائِقَ الْخُوصِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعُهَا، وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا، وَإِنْ شِئْتَ اقْتَدَيْتَ بِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَإِدَامُهُ الْجُوعُ، وَسِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرُ، وَصِلَاؤُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الشَّمْسِ وَمَغَارِبُهَا، وَفَاكِهَتُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ، وَلَا وَلَدٌ، لَا يَعِزُّ مَالًا وَلَكِنْ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ. ا ه .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية