الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الآثار : قال عمر رضي الله عنه إن العبد : إذا تواضع لله رفع الله حكمته ، وقال : انتعش رفعك الله ، وإذا تكبر وعدا طوره ، رهصه الله في الأرض وقال : اخسأ ، خسأك الله فهو في نفسه كبير ، وفي أعين الناس حقير ، حتى إنه لأحقر عندهم من الخنزير .

وقال جرير بن عبد الله انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت الشمس النطع ، فسويته عليه ، ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي فذكرت له ما صنعت فقال لي : « يا جرير تواضع لله في الدنيا ؛ فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة ، يا جرير أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة ? قلت : لا ، قال إنه : ظلم الناس بعضهم في الدنيا » . .

وقالت عائشة رضي الله عنها : « إنكم لتغفلون عن أفضل العبادات : التواضع .

»
وقال يوسف بن أسباط يجزي قليل الورع من كثير العمل ويجزي ، قليل التواضع من كثير الاجتهاد .

وقال الفضيل وقد سئل عن التواضع ما : هو فقال أن تخضع للحق ، وتنقاد له ، ولو سمعته من صبي قبلته ولو سمعته من أجهل الناس قبلته .

وقال ابن المبارك رأس التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل وأن ترفع نفسك عمن هو فوقك في الدنيا حتى تعلمه أنه ليس له بدنياه عليك فضل .

وقال قتادة من أعطي مالا أو جمالا أو ثيابا أو علما ثم لم يتواضع فيه كان عليه وبالا يوم القيامة .

وقيل : أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك .

وقال كعب ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجة في الآخرة وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها ، ولم يتواضع بها لله ، إلا منعه الله نفعها في الدنيا ، وفتح له طبقا من النار يعذبه إن شاء الله أو يتجاوز عنه .

وقيل لعبد الملك بن مروان أي الرجال أفضل ? قال : من تواضع عن قدرة وزهد عن رغبة وترك النصرة عن قوة .

ودخل ابن السماك على هارون ، فقال : يا أمير المؤمنين إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك ، فقال ما أحسن ما قلت ! فقال : يا أمير المؤمنين ، إن امرأ آتاه الله جمالا في خلقته وموضعا في حسبه وبسط له في ذات يده فعف في جماله وواسى من ماله وتواضع في حسبه كتب في ديوان الله من خالص أولياء الله فدعا هارون بدواة وقرطاس وكتبه بيده .

وكان سليمان بن داود عليهما السلام إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيء إلى المساكين ، فيقعد معهم ، ويقول : مسكين مع مساكين .

وقال بعضهم : كما تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون فكذلك فاكره أن يراك الفقراء في الثياب المرتفعة .

روي أنه خرج يونس وأيوب والحسن يتذاكرون التواضع فقال لهم الحسن : أتدرون ما التواضع ? التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلما إلا رأيت له عليك فضلا .

وقال مجاهد إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح عليه السلام شمخت الجبال وتطاولت وتواضع الجودي فرفعه الله فوق الجبال وجعل قرار السفينة عليه .

التالي السابق


(الآثار: قال عمر -رضي الله عنه-: إذا تواضع العبد لله رفع الله حكمته، وقال: انتعش) أي: ارتفع (رفعك الله، وإذا تكبر وعدا) أي: تجاوز (طوره، رهصه الله في الأرض) أي: دفعه إليها (وقال: اخسأ، خسأك الله) والقائل بهذا هو الملك الموكل بالحكمة (فهو في نفسه كبير، وفي أعين الناس حقير، حتى إنه لأحقر عندهم من الخنزير) .

أوله روي مرفوعا من حديث أنس عند أبي نعيم والديلمي، بلفظ: "ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة بيد ملك، فإن تواضع رفعه بها، وقال: ارتفع رفعك الله، وإن رفع نفسه جذبه إلى الأرض وقال: اخفض، خفضك الله".

وعند ابن صصرى في أماليه بلفظ: "فإن تواضع لله رفعه الله، وإن ارتفع قمعه الله" وكل ذلك قد تقدم .

وآخره رواه أبو نعيم من حديثه مرفوعا، بلفظ: "من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه صغير وفي أنفس الناس عظيم، ومن تكبر وضعه الله، فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير، حتى لهو أهون عليهم من كلب أو خنزير".

(وقال جرير بن عبد الله) البجلي -رضي الله عنه-: (انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له) وهو المتخذ من الأديم، معروف، وفيه أربع لغات: فتح النون وكسرها، ومع كل واحد فتح الطاء وسكونها، والجمع أنطاع ونطوع (وقد جاوزت الشمس النطع، فسويته عليه، ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي) رضي الله عنه (فذكرت له ما صنعت فقال لي: "يا جرير تواضع لله في الدنيا؛ فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة، يا جرير أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة؟ قلت: لا، قال: ظلم الناس بعضهم بعضا في الدنيا") .

قال أبو نعيم في الحلية: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن سليم، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن جرير قال: قال سلمان: "يا جرير تواضع لله؛ فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله يوم القيامة، يا جرير هل تدري ما الظلمات يوم القيامة؟ قلت: لا أدرى، قال: ظلم الناس بينهم في الدنيا، قال: ثم أخذ عويدا لا أكاد أن أراه بين إصبعيه، قال: يا جرير لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده، قال: قلت: يا أبا عبد الله فأين النخل والشجر؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاها الثمر" رواه جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه نحوه .

(وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة: التواضع") أي: الخشوع لله، ولين الجانب للخلق، وإنما كان أفضل العبادة (لأنه ثمرتها) رواه ابن أبي شيبة في المصنف، عن وكيع، عن مسعر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن الأسود، عن عائشة.

(وقال يوسف بن أسباط) الشيباني رحمه الله تعالى: (يجزئ قليل الورع من كثير العمل، ويجزئ قليل التواضع من كثير الاجتهاد) أخرجه أبو نعيم في الحلية، عن أحمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن يحيى بن منده، حدثنا الحسين بن منصور. وحدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا سهل أبو الحسن، سمعت يوسف بن أسباط يقول، فذكره .

(وقال الفضيل) بن عياض رحمه الله (وقد سئل عن التواضع: هو أن تخضع للحق، وتنقاد له، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته) .

ولفظ القشيري في الرسالة: وسئل [ ص: 355 ] الفضيل عن التواضع فقال: أن تخضع للحق، وتنقاد له، وتقبله ممن قاله .

وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا محمد، ثنا إسماعيل بن يزيد، حدثنا إبراهيم قال: سألت الفضيل: ما التواضع؟ قال: أن تخضع للحق، وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته منه، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته منه. وسألته: ما الصبر على المصيبة؟ قال: أن لا تبث .

وأخرج من طريق محمد بن زنبور قال: سئل الفضيل عن التواضع، قال: أن تخضع للحق .

(وقال ابن المبارك) رحمه الله تعالى: (رأس التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا حتى يعلم أنه ليس له بدنياه عليك فضل) رواه هكذا في كتاب الزهد له .

(وقال) أبو الخطاب (قتادة) بن دعامة البصري -رحمه الله تعالى-: (من أعطي مالا أو جمالا أو ثناء) حسنا بين الناس (أو علما) ينتفع به (ثم لم يتواضع فيه) أي: فيما أعطيه (كان عليه وبالا يوم القيامة) فإن هذه نعم من الله عليه، والتواضع هو شكرها، فمن لم يتواضع فكأنه بطر بنعم الله تعالى، والبطر وبال يوم القيامة .

(وقيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام) يا عيسى: (إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة) أي: الخضوع والتواضع (أتممها عليك .

وقال كعب) الأحبار -رحمه الله تعالى-: (ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها لله، ولم يتواضع بها لله، إلا منعه الله نفعها في الدنيا، وفتح له طبقا من النار يعذبه إن شاء أو يتجاوز عنه) ومعناه في المرفوع من حديث ابن عباس عند ابن النجار: "ما أنعم الله -عز وجل- على عبد من نعمة وأسبغها عليه، ثم جعل إليه شيئا من حوائج الناس، فتبرم بها، إلا وقد عرض تلك النعمة للزوال".

ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عمر بلفظ: "فقد عرض تلك النعمة لزوالها".

(وقيل لعبد الملك بن مروان) بن الحكم الأموي القرشي: (أي الرجال أفضل؟ قال: من تواضع عن قدرة) أي: خضع لجلال الحق، وراعى ذلك في الخلق باختيار نفسه، من غير إلجاء إليه (وزهد) في الدنيا (عن قدرة) أي: وهو قادر على حوزها، ولكنه زهد عنها (وترك النصرة) لنفسه (عن قدرة) أي: كان قادرا على أن يشفي غيظه بأن ينتصر على أخيه، ولكنه ترك ذلك لله تعالى .

(ودخل) محمد بن صبيح (ابن السماك) البغدادي الواعظ (على هارون الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين إن تواضعك في شرفك) أي: انقيادك للعلماء مع هذا الشرف وعلو المقام الذي أنت فيه (أشرف لك من شرفك، فقال) هارون: (ما أحسن ما قلت! فقال: يا أمير المؤمنين، إن امرأ آتاه الله جمالا في خلقه) بأن كان معتدل التركيب، مستوي الخلقة (وموضعا في حسبه) بأن يكون ذا دين وتقوى (وبسط له في ذات يده) يعني المال (فعف في جماله) أي: سلك فيه سبيل العفاف، بأن لم يدنسه بمحارم الله (وواسى في ماله) المحتاجين (وتواضع في حسبه) بأن لم يتكبر على إخوانه (كتب في ديوان الله من خالص عباد الله) وفي نسخة: من خالص أولياء الله (فدعا هارون بدواة وقرطاس وكتبه بيده) .

وروى صاحب الحلية قصة أخرى لابن السماك مع هارون الرشيد تشبهها، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن موسى، حدثنا محمد بن بكار، قال: بعث هارون الرشيد إلى ابن السماك، فدخل وعنده يحيى بن خالد البرمكي، فقال يحيى: إن أمير المؤمنين أرسل إليك لما بلغه من صلاح عنك في نفسك، وكثرة ذكر منك لربك -عز وجل- ودعائك للعامة، فقال ابن السماك: أما ما بلغ أمير المؤمنين من صلاح عنا في أنفسنا فذلك بستر الله علينا، فلو اطلع الناس على ذنب من ذنوبنا لما أقدم قلب لنا على مودة، ولا جرى لسان لنا بمدحة، وإني لأخاف أن أكون بالستر معروفا، وبمدح الناس مفتونا، وإني لأخاف أن أهلك بها، وبقلة الشكر عليها، فدعا بدواة وقرطاس فكتبه الرشيد.

(وكان سليمان بن داود) عليهما السلام (إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيء إلى المساكين، فيقعد معهم، ويقول: مسكين مع مساكين) .

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الخليل قال: "كان داود -عليه السلام- يدخل المسجد، فينظر أغمض حلقة من بني إسرائيل فيجلس إليهم، ثم يقول: مسكين بين ظهراني [ ص: 356 ] مساكين" .

(وقال بعضهم: كما تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون) أي: الحقيرة (فكذلك فاكره أن يراك الفقراء في الثياب المرتفعة) أي: الغالية الثمن .

(وروي أنه خرج يونس) بن عبيد (وأيوب) السختياني (والحسن) البصري يوما (يتذاكرون التواضع) واختلف قولهم فيه (فقال لهما الحسن: أتدرون ما التواضع؟ التواضع أن تخرج من منزلك فلا تلقى مسلما إلا رأيت له عليك فضلا) أي: لا ترى لنفسك معه حالا أو مقاما أو قيمة .

(وقال مجاهد) رحمه الله تعالى (لما أغرق قوم نوح) عليه السلام (شمخت الجبال وتطاولت) أي: ارتفعت (وتواضع الجودي) أي: تطامن إلى الأرض، وهو جبل بالجزيرة قرب الموصل (فرفعه الله فوق الجبال) لتواضعه (وجعل قرار السفينة عليه) وذلك فيما قال الله تعالى في كتابه: واستوت على الجودي أي: وقفت، والجودي لما لم ير نفسه أهلا لحلول النبي والمؤمنين عليه أعطاه الله تلك المنزلة، نقله القشيري في الرسالة .

قلت: أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: "الجودي جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق، فتطاولت، وتواضع هو لله، فلم يغرق، ورست عليه السفينة" .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن عطاء، قال: "بلغني أن الجبال تشامخت في السماء إلا الجودي، فعرف أن أمر الله سيدركه فسكن". اهـ. وفيه دلالة على جواز خلق الحركات في الجمادات .

ونقل القشيري أيضا عن الفضيل بن عياض قال: "أوحى الله إلى الجبال: إني مكلم على واحد منكم نبيا، فتطاولت الجبال وتواضع طور سينا، فكلم الله سبحانه عليه موسى؛ لتواضعه" اهـ .

وأنشد الشيخ سعد الدين الشيرازي:


أقل جبال الأرض طور وإنه لأعظم عند الله قدرا ومنزلا






الخدمات العلمية