الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الرابع : العجب بالنسب الشريف كعجب الهاشمية حتى يظن بعضهم أنه ينجو بشرف نسبه ، ونجاة آبائه ، وأنه مغفور له ، ويتخيل بعضهم أن جميع الخلق له موال وعبيد وعلاجه : أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم ، وظن أنه ملحق بهم فقد جهل وإن اقتدى بآبائه فما كان من أخلاقهم العجب بل الخوف والازدراء على النفس ، واستعظام الخلق ومذمة ، النفس ولقد شرفوا بالطاعة والعلم والخصال الحميدة لا بالنسب ، فليتشرف بما شرفوا به وقد ساواهم في النسب ، وشاركهم في القبائل من . لم يؤمن بالله واليوم الآخر وكانوا عند الله شرا من الكلاب ، وأخس من الخنازير ؛ ولذلك قال تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى أي : لا تفاوت في أنسابكم ؛ لاجتماعكم في أصل واحد ثم ذكر فائدة النسب فقال : وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ثم بين أن الشرف بالتقوى لا بالنسب ، فقال : إن أكرمكم عند الله أتقاكم ولما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : من أكرم الناس ? من أكيس الناس ? لم يقل من ينتمي إلى نسبي ولكن قال أكرمهم : أكثرهم للموت ذكرا ، وأشدهم له استعدادا، وإنما نزلت هذه الآية حين أذن بلال يوم الفتح على الكعبة، فقال الحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وخالد بن أسيد هذا العبد الأسود يؤذن؟! فقال تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، أي: كبرها، كلكم بنو آدم، وآدم من تراب ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « يا معشر قريش لا تأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون ، بالدنيا تحملونها على رقابكم ، تقولون : يا محمد يا محمد يا محمد، فأقول هكذا ، أي: أعرض عنكم فبين أنهم إن مالوا إلى الدنيا لم ينفعهم نسب قريش، ولما نزل قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين ناداهم بطنا بعد بطن حتى قال : يا فاطمة بنت محمد ، يا صفية بنت عبد المطلب ، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اعملا لأنفسكما؛ فإني لا أغني عنكما من الله شيئا ، فمن عرف هذه الأمور وعلم أن شرفه بقدر تقواه ، وقد كان من عادة آبائه التواضع ، اقتدى بهم في التقوى والتواضع وإلا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله مهما انتمى إليهم ولم يشبههم في التواضع والتقوى والخوف والإشفاق .

فإن قلت : فقد قال صلى الله عليه وسلم بعد قوله لفاطمة وصفية إني لا أغني عنكما من الله شيئا إلا أن لكما رحما سأبلها ببلالها .

وقال صلى الله عليه وسلم: أترجو سليم شفاعتي ، ولا ترجوها بنو عبد المطلب ، فذلك يدل على أنه سيخصص قرابته بالشفاعة ، فاعلم أن كل مسلم فهو منتظر شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والنسيب أيضا جدير بأن يرجوها لكن بشرط أن يتقي الله أن يغضب عليه فإنه إن يغضب عليه ؛ فلا يأذن لأحد في شفاعته لأن ؛ الذنوب منقسمة إلى ما يوجب المقت فلا يؤذن في الشفاعة له وإلى ما يعفى عنه بسبب الشفاعة ، كالذنوب عند ملوك الدنيا ؛ فإن كل ذي مكانة عند الملك لا يقدر على الشفاعة فيما اشتد عليه غضب الملك ، فمن الذنوب ما لا تنجي منه الشفاعة ، وعنه العبارة بقوله تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وبقوله : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وبقوله ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له وبقوله : فما تنفعهم شفاعة الشافعين وإذا انقسمت الذنوب إلا ما يشفع فيه وإلا ما لا يشفع فيه ، وجب الخوف والإشفاق لا محالة ، ولو كان ذنب تقبل فيه الشفاعة لما أمر قريشا بالطاعة ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها عن المعصية ولكان يأذن لها في اتباع الشهوات لتكمل لذاتها في الدنيا ثم يشفع لها في الآخرة لتكمل لذاتها في الآخرة .

فالانهماك في الذنوب ، وترك التقوى اتكالا على رجاء الشفاعة يضاهي انهماك المريض في شهواته اعتمادا على طبيب حاذق قريب مشفق من أب أو أخ أو غيره وذلك جهل ؛ لأن سعي الطبيب وهمته وحذقه تنفع في إزالة بعض الأمراض لا في كلها ، فلا يجوز ترك الحمية مطلقا اعتمادا على مجرد الطب ، بل للطبيب أثر على الجملة ، ولكن في الأمراض الخفيفة وعند غلبة اعتدال المزاج .

فهكذا ينبغي أن تفهم عناية الشفعاء من الأنبياء والصلحاء للأقارب والأجانب ؛ فإنه كذلك قطعا ، وذلك لا يزيل الخوف والحذر وكيف يزيل وخير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وقد كانوا يتمنون أن يكونوا بهائم من خوف الآخرة مع كمال تقواهم ، وحسن أعمالهم ، وصفاء قلوبهم وما ، سمعوه من وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالجنة خاصة وسائر المسلمين بالشفاعة عامة ولم يتكلوا عليه ، ولم يفارق الخوف والخشوع قلوبهم ، فكيف يعجب بنفسه ويتكل على الشفاعة من ليس له مثل صحبتهم وسابقتهم .

التالي السابق


(الرابع: العجب بالنسب الشريف) أي: المتصل إلى حضرته -صلى الله عليه وسلم- (كعجب الهاشمية) هم بنو هاشم، فيشمل العلويين والطالبيين والجعفريين (حتى يظن بعضهم أنه ينجو بسبب شرف نسبه، ونجاة آبائه، وأنه مغفور له، ويتخيل بعضهم أن جميع الخلق له موال وعبيد) أي: بمنزلتهم في المذلة .

(وعلاجه: أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم، وظن أنه ملحق بهم فقد جهل) الحقيقة؛ فإن اللحوق يقتضي الموافقة (وإن اقتدى بآبائه فما كان من أخلاقهم العجب) بالنسب وغيره (بل الخوف والإزراء على النفس، واستعظام الخلق، ومذلة النفس) واستصغارها (ولقد شرفوا بالطاعة والعلم والخصال المحمودة لا بالنسب، فليتشرف بما شرفوا به) فيلحق بهم (وقد ساواهم في النسب، وشاركهم في القبائل .

ومن لم يؤمن بالله) ولم يرفع له رأسا، وسلك سبيل العناد، كأبي جهل وأبي لهب، وأضرابهما (فكانوا عند الله شرا من الكلاب، وأخس من الخنازير؛ ولذلك قال الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ) أي: آدم وحواء (أي: لا تفاوت في أنسابكم؛ لاجتماعكم في أصل واحد) [ ص: 419 ] من فوق .

(ثم ذكر فائدة النسب) بجعلهم متميزين (فقال: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) فالشعب هو النسب الأول، والقبيلة ما انقسم فيه أنساب الشعب، ثم عمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة، فخزيمة شعب، وكنانه قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة (ثم بين أن الشرف) الذي هو كرم الأصل (بالتقوى لا بالنسب، فقال: إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) أي: أخشاكم له في السر والعلانية .

(ولما قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من أكرم الناس؟ من أكيس الناس؟ لم يقل) في الجواب (من ينتمي إلى نسبي) بالولادة (ولكن قال: أكثرهم للموت ذكرا، وأشدهم له استعدادا) .

قال العراقي: رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر دون قوله: "أكرم الناس" وهو بهذه الزيادة عند ابن أبي الدنيا في كتاب ذكر الموت، وسيأتي في كتاب ذكر الموت في آخر الكتاب .

قلت: ولفظ ابن ماجه: "أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- عاشر عشرة، فقال رجل من الأنصار: من أكيس الناس" الحديث، وسيأتي هذا السياق للمصنف في آخر الكتاب .

وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا عبد الله بن العباس، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا إسماعيل بن عباس، عن العلاء بن عتبة، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: "قام فتى فقال: يا رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا قبل أن ينزل به، أولئك الأكياس" رواه أبو سهيل بن مالك وحفص بن غيلان، ويزيد بن أبي مالك، وقرة بن قيس، ومعاوية بن عبد الرحمن، عن عطاء، مثله. ورواه مجاهد، عن ابن عمر نحوه .

(وإنما أنزلت هذه الآية حيث أذن بلال ) رضي الله عنه (يوم الفتح على الكعبة، فقال الحارث بن هشام) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، من مسلمة الفتح، وكان من سادات قومه (وسهيل بن عمرو) بن عبد شمس بن عبد ود العامري القرشي، أبو يزيد، خطيب قريش، أسلم يوم الفتح (وخالد بن أسيد) بن أبي العيص بن أمية الأموي، أخو عتاب، أسلم يوم الفتح، وكان فيه تيه شديد: (هذا العبد الأسود يؤذن؟! فقال تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .

روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن أبي مليكة قال: "لما كان يوم الفتح رقي بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس: أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة، وقال بعضهم: إن يسخط الله هذا يغيره، فنزلت الآية".

وروى ابن المنذر، عن ابن جريج قال: "أذن بلال يوم الفتح على الكعبة، فقال الحارث بن هشام: أهذا العبد حين يؤذن على الكعبة؟! فقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أسيدا أن يرى هذا، وقال سهيل بن عمرو: إن يكره الله هذا ينزل فيه، وسكت أبو سفيان، فنزلت الآية".

(وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية) بضم العين المهملة وكسر الموحدة وتشديد التحتية المفتوحة (أي) نخوتها (وكبرها، كلكم بنو آدم، وآدم) خلق (من تراب) .

قال العراقي: رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، من حديث أبي هريرة.

ورواه الترمذي أيضا من حديث ابن عمر، وقال: غريب. اهـ .

قلت: لفظ أبي داود: "إن الله -عز وجل- قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن" هذا لفظه، وقد تقدم بعضه للمصنف قريبا، هكذا رواه أحمد والبيهقي.

وأما لفظ الترمذي من حديث ابن عمر: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه، فلما خرج فلم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال، فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بآبائها، الناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا إلى قوله: خبير ثم قال: أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم".

وهكذا رواه عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب .

وروى البيهقي من حديث أبي أمامة، رفعه: "إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها، كلكم لآدم وحواء، كطف الصاع بالصاع، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم".

(وقال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر [ ص: 420 ] قريش تأتي الناس بالأعمال يوم القيامة، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم، تقولون: يا محمد يا محمد، فأقول هكذا، أي: فأعرض عنكم) قال العراقي: رواه الطبراني من حديث عمران بن حصين، إلا أنه قال: "يا معشر بني هاشم" وسنده ضعيف. اهـ .

قلت: صدر الحديث رواه البخاري في التاريخ، وابن عساكر من رواية شريح بن الحارث، عن أبي أمامة، والحارث بن الحارث الغامدي، وكثير بن مرة وعمير بن الأسود معا، ولفظه: "يا معشر قريش، لا ألفين أناسا يأتون يتحرون الجنة، وتأتون تحرون الدنيا، اللهم لا أحل لقريش أن يفسدوا ما أصلحت أمتي" الحديث .

وروى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث أبي هريرة: "يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم، واعلموا أن أولى الناس بي يوم القيامة المتقون، وأن تكونوا أنتم مع قرابتكم، فذاك، لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على أعناقكم، فتقولون: يا محمد، فأقول: هكذا، ثم تقولون: يا محمد، فأقول: هكذا، أعرض بوجهي عنكم، فتقولون: يا محمد أنا فلان ابن فلان، فأقول: أما النسب فأعرف وأما العمل فلا أعرف، نبذتم الكتاب، فارجعوا، فلا قرابة بيني وبينكم".

وأما لفظ الطبراني من حديث عمران بن حصين: "يا بني هاشم إن أوليائي منكم المتقون، يا بني هاشم اتقوا النار ولو بشق تمرة، يا بني هاشم لا ألفينكم تأتون بالدنيا تحملونها على ظهوركم ويأتون بالآخرة يحملونها".

(فبين أنهم إن مالوا إلى الدنيا لم ينفعهم نسب قريش، ولما نزل قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين ناداهم بطنا بعد بطن) فقال: يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، (حتى قال: يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله، اعملا لأنفسكما؛ فإني لا أغني عنكما من الله شيئا) قال العراقي: متفق عليه من حديث أبي هريرة. ورواه مسلم من حديث عائشة.

قلت: ورواه الحكيم من حديث أبي هريرة، وتقدم سياقه قبل هذا .

وعند البيهقي: "يا فاطمة بنت محمد اشتري نفسك من النار ولو بشق تمرة، يا عائشة لا يرجع من عندك سائل ولو بظلف محرق".

ورواه الترمذي من حديث عائشة، وقال: حسن غريب: "يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، يا بني عبد المطلب، إني لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم".

وأما لفظ مسلم من حديث أبي هريرة: "يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئا" ورواه كذلك النسائي.

ولفظ أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله ضرا ولا نفعا، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لك من الله ضرا ولا نفعا".

(فمن عرف هذه الأمور عرف أن شرفه بقدر تقواه، وقد كان من عادة آبائه التواضع، فإن اقتدى) وسلك طريقهم (في التقوى والتواضع) فهو المطلوب (وإلا كان طاعنا في نسب نفسه بلسان حاله مهما انتمى إليهم ولم يشبههم في التواضع والتقوى والخوف والإشفاق) والحذر من المقت .

(فإن قلت: فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد قوله لفاطمة وصفية) رضي الله عنهما: (إني لا أغني عنكما من الله شيئا إلا أن لكما رحما سأبلها ببلالها) قال العراقي: رواه مسلم من حديث أبي هريرة، بلفظ: "غير أن لكما رحما سأبلها ببلالها".

قلت: ورواه النسائي كذلك، وليس في حديثهما ذكر صفية، وأول الحديث قد تقدم قريبا، ورواه أحمد والترمذي بلفظ: "إن لك رحما وسأبلها ببلالها" وذكره بعد قوله: "يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لك ضرا ولا نفعا" وأول الحديث تقدم أيضا قريبا .

(وقال صلى الله عليه وسلم: أترجو [ ص: 421 ] سليم) مصغر، قبيلة من العرب (شفاعتي، ولا يرجوها بنو عبد المطلب) قال العراقي: رواه الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن جعفر، وفيه: أصرم بن حوشب، عن إسحاق بن واصل، وكلاهما ضعيف جدا (فذلك يدل على أنه سيخص قرابته بالشفاعة .

فاعلم أن كل مسلم فهو منتظر شفاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والنسيب) أي: ذو النسب (جدير بأن يرجوها) وينالها (ولكن بشرط أن يتقي الله أن) يمقت، و (يغضب عليه؛ فإنه إن يغضب عليه فلا يأذن لأحد في شفاعته؛ فإن الذنوب منقسمة إلى ما يوجب المقت) من الله تعالى، وهو أشد الغضب (فلا يؤذن في الشفاعة له) أصلا (وإلى ما يعفى عنه بسبب الشفاعة، كالذنوب عند ملوك الدنيا؛ فإن كل ذي مكانة عند الملك) أي: منزلة وقدر (لا يقدر على الشفاعة فيما اشتد عليه غضب الملك، فمن الذنوب ما لا تنجي منه الشفاعة، وعنه العبارة بقوله -عز وجل-: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وبقوله: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه وبقوله: لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا وبقوله: فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) فهذه الآيات كلها دالة أنه ليس كل أحد يستقل بالشفاعة، ولا كل الذنوب يشفع فيها .

(وإذا انقسمت الذنوب إلى ما يشفع فيه وإلى ما لا يشفع فيه، وجب الخوف والإشفاق لا محالة، ولو كان كل ذي ذنب تقبل فيه الشفاعة لما أمر قريشا) وهم خيار البطون من القبائل (بالطاعة) والامتثال لأوامر الله تعالى (ولما نهى فاطمة) رضي الله عنها، وهي بضعة من جسده -صلى الله عليه وسلم- (عن المعصية) ولما أمرها أن تشتري نفسها من الله تعالى (ولكان يأذن لها في اتباع الشهوات لتكمل لذتها في الدنيا) بها (ثم يشفع لها في الآخرة لتكمل لذتها في الآخرة) فتكون قد جمعت بين اللذتين .

(فالانهماك في الدنيا، وترك التقوى اعتمادا على رجاء الشفاعة يضاهي انهماك المريض في شهواته) وانبساطه فيها (اعتمادا على طبيب حاذق) بصير بالمعالجة (مشفق من أب أو أخ أو غيره) ممن يعتمد على صحبته (وذلك جهل؛ لأن سعي الطبيب وهمته وحذقه) إنما (ينفع في إزالة بعض الأمراض لا في كلها، فلا يجوز ترك الحمية) التي هي رأس الدواء (مطلقا اعتمادا على مجرد الطب، بل للطبيب أثر على الجملة، ولكن في الأمراض الخفيفة) السهلة التي يرجى بمعالجتها البرء من قرب (وعند غلبة اعتدال المزاج) وأما عند فساده فلا ينجح تدبير الطبيب فيه إلا قليلا .

(فهكذا ينبغي أن يفهم عناية الشفعاء من الأنبياء والصلحاء والأقارب والأجانب؛ فإنه كذلك قطعا، وذلك لا يزيل الخوف والحذر) والإشفاق (وكيف يزيل وخير الخلق بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه) بمقتضى الخبر: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" (وقد كانوا يتمنون أن يكونوا بهائم) كما تقدم من قول عمر رضي الله عنه: "ليتني كنت كبشا لأهلي فذبحوني وأكلوني" كل ذلك (من خوف الآخرة) وهول المطلع، هذا (مع كمال تقواهم، وحسن أعمالهم، وصفاء قلوبهم، و) مع (ما سمعوه من وعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إياهم بالجنة خاصة) .

يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن منيع، وابن أبي عاصم، وأبو نعيم في الحلية، والضياء، من حديث سعيد بن زيد، رفعه: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة".

ورواه أيضا أحمد، والترمذي، وأبو نعيم في المعرفة، وابن عساكر، من رواية عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده، رفعه، بهذا .

(وسائر المسلمين بالشفاعة عامة) [ ص: 422 ] يشير إلى ما رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث أبي هريرة: "شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا يصدق لسانه قلبه، وقلبه لسانه".

(ولم يتكلوا عليه، ولم يفارق الخشوع والخوف قلوبهم، فكيف يعجب بنفسه ويتكل على الشفاعة من ليس له مثل صحبتهم وسابقتهم؟) وتقواهم وإخلاصهم .




الخدمات العلمية