الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكذلك اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله تعالى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ولكن اجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة ، كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها فيكف نفسه عن الوقاع فيقتصر على نظر ، أو لمس فإن مجاهدة نفسه بالكف عن الوقاع أشد تأثيرا في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه ، فهذا معنى تكفيره فإن كان عنينا أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز أو كان قادرا ولكن امتنع لخوف أمر آخر فهذا لا يصلح للتكفير أصلا ، وكل من لا يشتهي الخمر بطبعه ، ولو أبيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي والأوتار نعم من يشتهي الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة عن الخمر ويطلقها في السماع فمجاهدته النفس بالكف ربما تمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت إليه من معصية السماع فكل هذه أحكام أخروية ويجوز ، أن يبقى بعضها في محل الشك ، وتكون من المتشابهات فلا يعرف تفصيلها إلا بالنص ولم يرد النص بعد ولا حد جامع بل ورد بألفاظ مختلفات ، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الصلاة إلى الصلاة كفارة ، ورمضان إلى رمضان كفارة إلا من ثلاث إشراك : بالله ، وترك السنة ، ونكث الصفقة » قيل : ما ترك السنة ? قيل : الخروج عن الجماعة ، ونكث الصفقة أن يبايع رجلا ثم يخرج عليه بالسيف يقاتله فهذا وأمثاله من الألفاظ لا يحيط بالعدد كله ، ولا يدل على حد جامع فيبقى لا محالة مبهما .

فإن قلت : الشهادة لا تقبل إلا ممن يجتنب الكبائر ، والورع عن الصغائر ليس شرطا في قبول الشهادة وهذا من أحكام الدنيا ، فاعلم أنا لا نخصص رد الشهادة بالكبائر فلا خلاف في أن من يسمع الملاهي ، ويلبس الديباج ، ويتختم بخاتم الذهب ويشرب في أواني الذهب والفضة لا تقبل شهادته ، ولم يذهب أحد إلى أن هذه الأمور من الكبائر .

التالي السابق


(وكذلك اجتناب الكبائر يكفر الصغائر بموجب قوله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) نكفر عنكم سيئاتكم يعني الصغائر. (ولكن اجتناب الكبائر إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة، كمن يتمكن من امرأة) بأن اختلى بها، (ومن مواقعتها فيكف) أي: يمنع (نفسه عن الوقوع) بها (فيقتصر على نظر، أو لمس) ، أو تقبيل; (فإن مجاهدة نفسه بالكف عن الوقاع أشد تأثيرا في تنوير قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه، فهذا معنى تكفيره فإن كان عنينا) وهو العاجز عن إتيان النساء (أو لم يكن امتناعه إلا بالضرورة للعجز) القائم به، (أو كان قادرا) على الوقاع (ولكن امتنع لخوف أمر آخر) من الخارج (فهذا لا يصلح للتكفير أصلا، وكل من لا يشتهي الخمر بطبعه، ولو أبيح له لما شربه فاجتنابه لا يكفر عنه الصغائر التي هي من مقدماته كسماع الملاهي والأوتار) بأنواعها (نعم من يشتهي الخمر وسماع الأوتار فيمسك نفسه بالمجاهدة على الخمر ويطلقها في السماع) أي: سماع الملاهي والأوتار، (فمجاهدة النفس بالكف) عن الخمر (ربما تمحو عن قلبه الظلمة التي ارتفعت إليه من معصية السماع) ، وقد تقدم أن المعاصي ترتفع منها ظلمة إلى القلب فتظلمه، كما أن الطاعات يرتفع إليه منها نور فتنوره، (فكل هذه أحكام أخروية، وتجوز أن تبقى في محل الشك، وتكون من المشتبهات فلا يعرف تفصيلها إلا بالنص) القاطع، (ولم يرد النص بعدد) معلوم، (ولا حد جامع) ، أو مانع، (بل ورد بألفاظ مختلفة، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة إلى الصلاة كفارة، ورمضان إلى رمضان كفارة إلا من ثلاث: الشرك بالله، وترك السنة، ونكث الصفقة" قيل: ما ترك السنة؟ قيل: الخروج عن الجماعة، ونكث الصفقة أن يبايع رجلا ثم يخرج عليه بالسيف يقاتله) قال العراقي: رواه الحاكم نحوه، وقال: صحيح الإسناد. انتهى .

قلت: ورواه أيضا أحمد، والبيهقي، ولفظهم جميعا: ؟ "الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي قبلها كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة التي قبلها كفارة لما بينهما، والشهر إلى الشهر كفارة لما بينهما إلا من ثلاث: الإشراك بالله، وترك السنة، ونكث الصفقة" قيل: يا رسول الله، أما الإشراك بالله فقد عرفناه، فما نكث الصفقة وترك السنة؟ قال: "أما نكث الصفقة فأن تبايع رجلا بيمينك، ثم تخالف إليه فتقاتله بسيفك، وأما ترك السنة فالخروج عن الجماعة" (فهذا وأمثاله من الألفاظ يحيط بالعدد كله، ولا يدل على حد جامع) للأفراد (فيبقى لا محالة مبهما; فإن قلت: الشهادة لا تقبل إلا ممن يجتنب الكبائر، والورع عن الصغائر ليس شرطا في قبول الشهادة) . قال الرافعي: قال الأصحاب: يعتبر في العدالة اجتناب الكبائر، فمن ارتكب كبيرة فسق، وردت شهادته، وأما الصغائر فلا يشترط تجنبها بالكلية، لكن بشرط أن لا يصر عليها، (وهذا من أحكام الدنيا، فاعلم أنا لا نخصص رد الشهادة بالكبائر فلا خلاف في أن من يسمع الملاهي، ويلبس الديباج، ويتختم بخاتم الذهب ويشرب في أواني الذهب والفضة لا تقبل شهادته، ولم يذهب أحد إلى أن هذه الأمور من الكبائر) ، لكن نقل الإمام عن الشيخ أبي محمد أن العراقيين ومعظم الأصحاب قطعوا بأن سماع الأوتار والملاهي من الكبائر، وتابعه عليه المصنف في كتبه، وتوقف ابن أبي الدم فيما نسبه الإمام للعراقيين، وقال لم أر أحدا صرح به، بل جزم الماوردي، وهو منهم بنقيض ما حكاه الإمام فقال: إذا قلنا بتحريم الأغاني والملاهي، فهل من الصغائر دون الكبائر يفتقر إلى الاستغفار، ولا ترد به الشهادة إلا بالإصرار، ومتى قلنا بكراهة شيء منها فهي من الصغائر [ ص: 545 ] من الخلاعة لا تفتقر إلى الاستغفار، ولا ترد الشهادة إلا مع الإكثار انتهى، وتابعه في المهذب، وكذا القاضي حسين فإنه قال في تعليقه: قال بعض أصحابنا: لو جلس على الديباج عند عقد النكاح لم ينعقد; لأن محل الشهادة فيه كالأداء الذي صار إليه محصله أن هذا من الصغائر، وما تعذر منه لا يوجب الفسق، وتابعه الفوراني في الإبانة، ورد إنكار ابن أبي ألدم على الإمام بما ذكر بأن مجلى صرح في ذخائره بما يوافقه فقال: إن كون ذلك هو ظاهر كلام الشامل حيث قال: من استمع إلى شيء من هذه المحرمات فسق، وردت شهادته، ولم يشترط تكرار السماع. انتهى .

هذا حاصل كلام القائلين بالحرمة، ووراء ذلك أقوال فانظره من كلام المصنف .




الخدمات العلمية