الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
ثم هؤلاء أيضا يحتاجون إلى معيشة ، ولا يمكنهم الاشتغال بالحرف ، فتحدث الحاجة إلى مال الفرع مع مال الأصل ، وهو المسمى فرع الخراج ، وعند هذا يكون الناس في الصناعات ثلاث طوائف الفلاحون ، والرعاة ، والمحترفون .

والثانية : الجندية الحماة بالسيوف .

والثالثة : المترددون بين الطائفتين في الأخذ والعطاء ، وهم العمال والجباة ، وأمثالهم فانظر كيف ابتدأ الأمر من حاجة القوت والملبس ، والمسكن ، وإلى ماذا انتهى .

وهكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وينفتح بسببه  أبواب أخر وهكذا تتناهى إلى غير حد محصور كأنها ، هاوية لا نهاية لعمقها ، من وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى ، وهكذا على التوالي ، فهذه هي الحرف ، والصناعات إلا أنها لا تتم إلا بالأموال والآلات ، والمال عبارة عن أعيان الأرض ، وما عليها مما ينتفع به وأعلاها الأغذية ، ثم الأمكنة التي يأوي الإنسان إليها ، وهي الدور ، ثم الأمكنة التي يسعى فيها للتعيش كالحوانيت ، والأسواق ، والمزارع ، ثم الكسوة ، ثم أثاث البيت وآلاته ، ثم آلات الآلات وقد يكون في الآلات ما هو حيوان ; كالكلب آلة الصيد والبقر ، آلة الحراثة ، والفرس آلة الركوب في الحرب ، ثم يحدث من ذلك حاجة البيع ، فإن الفلاح ربما يسكن قرية ليس فيها آلة الفلاحة ، والحداد والنجار يسكنان قرية لا يمكن فيها الزراعة ، فبالضرورة يحتاج الفلاح إليهما ويحتاجان إلى الفلاح فيحتاج أحدهما أن يبذل ما عنده للآخر حتى يأخذ منه غرضه ، وذلك بطريق المعاوضة إلا أن النجار مثلا إذا طلب من الفلاح الغذاء بآلته ربما لا يحتاج الفلاح في ذلك الوقت إلى آلته ، فلا يبيعه ، والفلاح إذا طلب الآلة من النجار بالطعام ربما كان عنده طعام في ذلك الوقت ، فلا يحتاج إليه ، فتتعوق الأغراض ، فاضطروا إلى حانوت يجمع آلة كل صناعة ليترصد بها صاحبها أرباب الحاجات وإلى أبيات يجمع إليها ما يحمل الفلاحون فيشتريه منهم صاحب الأبيات ليترصد ، به أرباب الحاجات فظهرت لذلك الأسواق ، والمخازن ، فيحمل الفلاح الحبوب ، فإذا لم يصادف محتاجا باعها بثمن رخيص من الباعة فيخزنونها ، في انتظار أرباب الحاجات طمعا في الربح وكذلك في جميع الأمتعة ، والأموال ، ثم يحدث لا محالة بين البلاد ، والقرى تردد ، فيتردد الناس يشترون من القرى الأطعمة ، ومن البلاد الآلات ، وينقلون ذلك ، ويتعيشون به لتنتظم أمور الناس في البلاد بسببهم ; إذ كل بلد ربما لا توجد فيه كل آلة ، وكل قرية لا يوجد فيها كل طعام فالبعض ، يحتاج إلى البعض فيحوج إلى النقل ، فيحدث التجار المتكفلون بالنقل وباعثهم عليه حرص جمع المال لا محالة فيتعبون طول الليل والنهار في الأسفار لغرض غيرهم ، ونصيبهم منها جمع المال الذي يأكله لا محالة غيرهم ; إما قاطع طريق وإما سلطان ظالم ولكن جعل الله تعالى في غفلتهم وجهلهم نظاما للبلاد ، ومصلحة للعباد بل جميع أمور الدنيا انتظمت بالغفلة ، وخسة الهمة .

ولو عقل الناس وارتفعت هممهم لزهدوا في الدنيا ولو فعلوا ذلك لبطلت المعايش ، ولو بطلت لهلكوا ، ولهلك الزهاد أيضا .

التالي السابق



الخدمات العلمية