بيان أقسام ما به العجب وتفصيل علاجه .
اعلم أن العجب بالأسباب التي بها يتكبر ، كما ذكرناه ، وقد يعجب بما لا يتكبر به كعجبه بالرأي الخطأ الذي يزين له بجهله .
فما به العجب ثمانية أقسام :
الأول :
nindex.php?page=treesubj&link=18868أن يعجب ببدنه في جماله وهيئته وصحته وقوته ، وتناسب أشكاله ، وحسن صورته ، وحسن صوته ، وبالجملة تفصيل خلقته ، فيلتفت إلى جمال نفسه ، وينسى أنه نعمة من الله تعالى وهو بعرضة الزوال في كل حال وعلاجه : ما ذكرناه في الكبر بالجمال ، وهو التفكر في أقذار باطنه وفي أول أمره وفي آخره وفي الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة أنها كيف تمزقت في التراب وأنتنت ، في القبور حتى استقذرتها الطباع .
الثاني البطش والقوة ، كما حكي عن قوم عاد حين قالوا فيما أخبر الله عنهم
nindex.php?page=tafseer&surano=41&ayano=15من أشد منا قوة وكما اتكل عوج على قوته وأعجب بها فاقتلع جبلا ليطبقه على عسكر
موسى عليه السلام فثقب الله تعالى تلك القطعة من الجبل بنقر هدهد ضعيف المنقار حتى صارت في عنقه وقد يتكل المؤمن أيضا على قوته ، كما روي عن
سليمان عليه السلام أنه قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=654841« لأطوفن الليلة على مائة امرأة ، ولم يقل : إن شاء الله تعالى ، فحرم ما أراد من الولد » .
وكذلك قول
داود عليه السلام : إن ابتليتني صبرت وكان إعجابا منه بالقوة فلما ابتلي بالمرأة لم يصبر .
nindex.php?page=treesubj&link=18869ويورث العجب بالقوة الهجوم في الحروب ، وإلقاء النفس في التهلكة ، والمبادرة إلى الضرب والقتل لكل من قصده بالسوء . وعلاجه : ما ذكرناه ، وهو أن يعلم أن حمى يوم تضعف قوته وأنه إذا أعجب بها ربما سلبها الله تعالى بأدنى آفة يسلطها عليه .
الثالث :
nindex.php?page=treesubj&link=18870العجب بالعقل والكياسة والتفطن لدقائق الأمور من مصالح الدين والدنيا ، وثمرته الاستبداد بالرأي ، وترك المشورة ، واستجهال الناس المخالفين له ولرأيه ويخرج إلى قلة الإصغاء إلى أهل العلم ؛ إعراضا عنهم ، بالاستغناء بالرأي والعقل ، واستحقارا لهم ، وإهانة . وعلاجه : أن يشكر الله تعالى على ما رزق من العقل ويتفكر أنه بأدنى مرض يصيب دماغه كيف يوسوس ويجن بحيث يضحك منه ، فلا يأمن من أن يسلب عقله إن أعجب به ولم يقم بشكره وليستقصر عقله وعلمه وليعلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا وإن اتسع علمه وأن ما جهله مما عرفه الناس أكثر مما عرفه فكيف بما لم يعرفه الناس من علم الله تعالى ؟! وأن يتهم عقله ، وينظر إلى الحمقى كيف يعجبون بعقولهم ، ويضحك الناس منهم ، فيحذر أن يكون منهم وهو لا يدري .
فإن القاصر العقل قط لا يعلم قصور عقله فينبغي أن يعرف مقدار عقله من غيره لا من نفسه ومن ، أعدائه لا من أصدقائه فإن من يداهنه يثني عليه فيزيده عجبا وهو لا يظن بنفسه إلا الخير ، ولا يفطن لجهل نفسه ، فيزداد عجبا .
بَيَانُ أَقْسَامِ مَا بِهِ الْعُجْبُ وَتَفْصِيلِ عِلَاجِهِ .
اعْلَمْ أَنَّ الْعُجْبَ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَتَكَبَّرُ ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقَدْ يُعْجَبُ بِمَا لَا يَتَكَبَّرُ بِهِ كَعُجْبِهِ بِالرَّأْيِ الْخَطَأِ الَّذِي يُزَيَّنُ لَهُ بِجَهْلِهِ .
فَمَا بِهِ الْعُجْبُ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ :
الْأَوَّلُ :
nindex.php?page=treesubj&link=18868أَنْ يُعْجَبَ بِبَدَنِهِ فِي جَمَالِهِ وَهَيْئَتِهِ وَصِحَّتِهِ وَقُوَّتِهِ ، وَتَنَاسُبِ أَشْكَالِهِ ، وَحُسْنِ صُورَتِهِ ، وَحُسْنِ صَوْتِهِ ، وَبِالْجُمْلَةِ تَفْصِيلُ خِلْقَتِهِ ، فَيَلْتَفِتُ إِلَى جَمَالِ نَفْسِهِ ، وَيَنْسَى أَنَّهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ بِعَرْضَةِ الزَّوَالِ فِي كُلِّ حَالٍ وَعِلَاجُهُ : مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْكِبْرِ بِالْجَمَالِ ، وَهُوَ التَّفَكُّرُ فِي أَقْذَارِ بَاطِنِهِ وَفِي أَوَّلِ أَمْرِهِ وَفِي آخِرِهِ وَفِي الْوُجُوهِ الْجَمِيلَةِ وَالْأَبْدَانِ النَّاعِمَةِ أَنَّهَا كَيْفَ تَمَزَّقَتْ فِي التُّرَابِ وَأَنْتَنَتْ ، فِي الْقُبُورِ حَتَّى اسْتَقْذَرَتْهَا الطِّبَاعُ .
الثَّانِي الْبَطْشُ وَالْقُوَّةُ ، كَمَا حُكِيَ عَنْ قَوْمِ عَادٍ حِينَ قَالُوا فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ
nindex.php?page=tafseer&surano=41&ayano=15مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً وَكَمَا اتَّكَلَ عُوجٌ عَلَى قُوَّتِهِ وَأُعْجِبَ بِهَا فَاقْتَلَعَ جَبَلًا لِيُطْبِقَهُ عَلَى عَسْكَرِ
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَثَقَبَ اللَّهُ تَعَالَى تِلْكَ الْقِطْعَةَ مِنَ الْجَبَلِ بِنَقْرِ هُدْهُدٍ ضَعِيفِ الْمِنْقَارِ حَتَّى صَارَتْ فِي عُنُقِهِ وَقَدْ يَتَّكِلُ الْمُؤْمِنُ أَيْضًا عَلَى قُوَّتِهِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ
سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=654841« لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَحُرِمَ مَا أَرَادَ مِنَ الْوَلَدِ » .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ
دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِ ابْتَلَيْتَنِي صَبَرْتُ وَكَانَ إِعْجَابًا مِنْهُ بِالْقُوَّةِ فَلَمَّا ابْتُلِيَ بِالْمَرْأَةِ لَمْ يَصْبِرْ .
nindex.php?page=treesubj&link=18869وَيُورِثُ الْعُجْبُ بِالْقُوَّةِ الْهُجُومَ فِي الْحُرُوبِ ، وَإِلْقَاءَ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ ، وَالْمُبَادَرَةَ إِلَى الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَهُ بِالسُّوءِ . وَعِلَاجُهُ : مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حُمَّى يَوْمٍ تُضْعِفُ قُوَّتَهُ وَأَنَّهُ إِذَا أُعْجِبَ بِهَا رُبَّمَا سَلَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَدْنَى آفَةٍ يُسَلِّطُهَا عَلَيْهِ .
الثَّالِثُ :
nindex.php?page=treesubj&link=18870الْعُجْبُ بِالْعَقْلِ وَالْكِيَاسَةِ وَالتَّفَطُّنِ لِدَقَائِقِ الْأُمُورِ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَثَمَرَتُهُ الِاسْتِبْدَادُ بِالرَّأْيِ ، وَتَرْكُ الْمَشُورَةِ ، وَاسْتِجْهَالُ النَّاسِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ وَلِرَأْيِهِ وَيَخْرُجُ إِلَى قِلَّةِ الْإِصْغَاءِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ إِعْرَاضًا عَنْهُمْ ، بِالِاسْتِغْنَاءِ بِالرَّأْيِ وَالْعَقْلِ ، وَاسْتِحْقَارًا لَهُمْ ، وَإِهَانَةً . وَعِلَاجُهُ : أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا رُزِقَ مِنَ الْعَقْلِ وَيَتَفَكَّرَ أَنَّهُ بِأَدْنَى مَرَضٍ يُصِيبُ دِمَاغَهُ كَيْفَ يُوَسْوَسُ وَيُجَنُّ بِحَيْثُ يُضْحَكُ مِنْهُ ، فَلَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يُسْلَبَ عَقْلَهُ إِنْ أُعْجِبَ بِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِشُكْرِهِ وَلْيَسْتَقْصِرْ عَقْلَهُ وَعِلْمَهُ وَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مَا أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وَإِنِ اتَّسَعَ عِلْمُهُ وَأَنَّ مَا جَهِلَهُ مِمَّا عَرَفَهُ النَّاسُ أَكْثَرُ مِمَّا عَرَفَهُ فَكَيْفَ بِمَا لَمْ يَعْرِفْهُ النَّاسُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ؟! وَأَنْ يَتَّهِمَ عَقْلَهُ ، وَيَنْظُرَ إِلَى الْحَمْقَى كَيْفَ يُعْجَبُونَ بِعُقُولِهِمْ ، وَيَضْحَكَ النَّاسُ مِنْهُمْ ، فَيَحْذَرُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ وَهُوَ لَا يَدْرِي .
فَإِنَّ الْقَاصِرَ الْعَقْلِ قَطُّ لَا يَعْلَمُ قُصُورَ عَقْلِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ مِقْدَارَ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِهِ لَا مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ ، أَعْدَائِهِ لَا مِنْ أَصْدِقَائِهِ فَإِنَّ مَنْ يُدَاهِنُهُ يُثْنِي عَلَيْهِ فَيَزِيدُهُ عُجْبًا وَهُوَ لَا يَظُنُّ بِنَفْسِهِ إِلَّا الْخَيْرَ ، وَلَا يَفْطِنُ لِجَهْلِ نَفْسِهِ ، فَيَزْدَادُ عُجْبًا .