الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْأَصْلُ السَّابِعُ . أَنَّ الْإِمَامَ الْحَقَّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ نَصُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِمَامٍ أَصْلًا إِذْ لَوْ كَانَ لَكَانَ أَوْلَى بِالظُّهُورِ مِنْ نَصْبِهِ آحَادَ الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ عَلَى الْجُنُودِ فِي الْبِلَادِ وَلَمْ يَخَفْ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ خُفِيَ هَذَا وَإِنْ ؟ ظَهَرَ فَكَيْفَ انْدَرَسَ حَتَّى لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا فَلَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ إِمَامًا إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ وَالْبَيْعَةِ وَأَمَّا تَقْدِيرُ النَّصِّ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ نِسْبَةٌ لِلصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ إِلَى مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرْقِ الْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَجْرِئُ عَلَى اخْتِرَاعِهِ إِلَّا الرَّوَافِضُ وَاعْتَادَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَزْكِيَةُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ كَمَا أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَا جَرَى بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الِاجْتِهَادِ لَا مُنَازَعَةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ فِي الْإِمَامَة إِذْ ظَنَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ تَسْلِيمَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ مَعَ كَثْرَةِ عَشَائِرِهِمْ وَاخْتِلَاطُهُمْ بِالْعَسْكَرِ يُؤَدِّي إِلَى اضْطِرَابِ أَمْرِ الْإِمَامَةِ فِي بِدَايَتِهَا فَرَأَى التَّأْخِيرَ أَصْوَبَ وَظَنَّ مُعَاوِيَةُ أَنَّ تَأْخِيرَ أَمْرِهِمْ مَعَ عِظَمِ جِنَايَتِهِمْ يُوجِبُ الْإِغْرَاءَ بِالْأَئِمَّةِ وَيُعَرِّضُ الدِّمَاءَ لِلسَّفْكِ وَقَدْ قَالَ أَفَاضِلُ الْعُلَمَاءِ : كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ . وَقَالَ قَائِلُونَ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ . وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى تَخْطِئَةِ عَلِيٍّ ذُو تَحْصِيلٍ أَصْلًا . . إتحاف السادة المتقين (الْأَصْلُ السَّابِعُ) * فِي الْإِمَامَةِ، وَالْبَحْثُ فِيهَا مِنْ مُهِمَّاتِ هَذَا الْعِلْمِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَ الْإِمَامِ، وَهُوَ ذُو الْإِمَامَةِ، لَزِمَ بَيَانُهَا، وَهِيَ رِيَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، خِلَافَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَصْبُ الْإِمَامِ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ سَمْعًا لَا عَقْلًا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، حَيْثُ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَاجِبٌ عَقْلًا. وَبَعْضُهُمْ -كَالْكَعْبِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ: عَقْلًا وَسَمْعًا. وَأَمَّا أَصْلُ الْوُجُوبِ فَقَدْ خَالَفَ فِيهِ الْخَوَارِجُ، فَقَالُوا: هُوَ جَائِزٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ، فَقَالَ فَرِيقٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: لَا يَجِبُ عِنْدَ الْأَمْنِ دُونَ الْفِتْنَةِ. وَقَالَ فَرِيقٌ بِالْعَكْسِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْوُجُوبِ عَلَى الْأُمَّةِ فَخَالَفَ فِيهِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَالْإِمَامِيَّةُ، فَقَالُوا: لَا يَجِبُ عَلَيْنَا، بَلْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ أَوْجَبُوهَا عَلَيْهِ تَعَالَى، لِحِفْظِ قَوَانِينِ الشَّرْعِ عَنِ التَّغَيُّرِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ أَوْجَبُوهُ لِيَكُونَ مُعَرِّفًا لِلَّهِ وَصِفَاتِهِ . وَإِذْ قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ (أَنَّ الْإِمَامَ الْحَقَّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرِ الْفِرَقِ (هُوَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيْقُ، بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى مُبَايَعَتِهِ (ثُمَّ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ، بِاسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ لَهُ (ثُمَّ عُثْمَانُ) بْنُ عَفَّانَ بِالْبَيْعَةِ بَعْدَ اتِّفَاقِ أَصْحَابِ الشُّورَى (ثُمَّ عَلِيٌّ) بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِمُبَايَعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) أَجْمَعِينَ (وَلَمْ يَكُنْ) عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ (نَصُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِمَامٍ) بَعْدَهُ (أَصْلًا) نَصًّا جَلِيًّا إِلَّا مَا زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ نَصًّا جَلِيًّا، وَعُزِيَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى إِمَامَتِهِ نَصًّا خَفِيًّا أَخَذَهُ مِنْ تَقْدِيمِهِ إِيَّاهُ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ، وَإِلَى الشِّيعَةِ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا: نَصَّ عَلَى إِمَامَةِ عَلَيٍّ بَعْدَهُ نَصًّا جَلِيًّا، وَلَكِنْ عِنْدَنَا مُعَاشِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانَ يَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ بَعْدَهُ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ دُونَ أَنْ يُؤْمَرَ بِتَبْلِيغِ الْأُمَّةِ النَّصَّ عَلَى الْإِمَامِ بِعَيْنِهِ، وَإِذَا عَلِمَهَا فَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَهَا أَمْرًا وَاقِعًا مُوَافِقًا لِلْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ، وَعَلَى أَيِّ الْحَالَتَيْنِ لَوْ كَانَ الْمُفْتَرَضُ عَلَى الْأُمَّةِ مُبَايَعَةَ غَيْرِ الصِّدِّيْقِ لَبَالَغَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَبْلِيغِهِ بِأَنْ يَنُصَّ عَلَيْهِ نَصًّا يُنْقَلُ مِثْلُهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَانِ وَالتَّشْهِيرِ (وَلَوْ كَانَ أَوْلَى بِالظُّهُورِ مِنْ نَصْبِهِ آحَادَ الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ عَلَى الْجُنُودِ فِي الْبِلَادِ) وَكَانَ سَبِيلُهُ أَنْ يُنْقَلَ نَقْلَ الْفَرَائِضِ لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى مِثْلِهِ فِي اسْتِمْرَارِ الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ مِنْ نَقْلِ مُهِمَّاتِ الدِّينِ الْمَطْلُوبِ فِيهَا الْإِعْلَانُ (وَلَمْ يَخَفْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ خُفِيَ هَذَا؟) مَعَ أَنَّ أَمْرَ الْإِمَامَةِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الْعَالِيَةِ; لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ; لِانْتِظَامِ أَمْرِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ (وَإِذَا ظَهَرَ) النَّصُّ عَلَى إِمَامَةِ أَحَدٍ (فَكَيْفَ انْدَرَسَ) وَخُفِيَ أَمْرُهُ (حَتَّى لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا) فَلَا نَصَّ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ مِنَ الظُّهُورِ، فَلَا وُجُوبَ لِإِمَامَةِ عَلِيٍّ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا زَعَمَتْهُ الشِّيعَةُ عَلَى التَّعْيِينِ، وَلَزِمَ بُطْلَانُ مَا نَقَلُوهُ مِنَ الْأَكَاذِيبِ وَسَوَّدُوا بِهِ أَوْرَاقَهُمْ نَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي". وَكَثِيرٌ مِمَّا اخْتَلَقُوهُ، نَحْوَ: "سَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ". وَأَنَّهُ قَالَ: "هَذَا خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ". وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: "أَنْتَ أَخِي وَخَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي وَقَاضِي دِينِي". بِكَسْرِ الدَّالِ، كَذَا ضَبَطَهُ السَّيِّدُ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ، وَالْأَوْجَهُ فَتْحُهَا كَمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ عَنِ النَّبِيِّ مَرْفُوعًا: "عَلِيٌّ يَقْضِي دَيْنِي". وَلِلْطَبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مِثْلُهُ، وَكُلُّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ; حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَيْءٌ مِمَّا نَقَلُوهُ هَذَا الْمَبْلَغَ مِنَ الشُّهْرَةِ، ثُمَّ نَقُولُ: لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْآحَادِ الْمَطْعُونِ فِيهَا، إِذْ لَمْ يَتَّصِلْ عِلْمُهُ بِأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْمَهَرَةِ مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِهِمْ وَتَلَقِّيهِمْ، وَسِعَةِ رِحْلَاتِهِمْ إِلَى بُلْدَانٍ شَتَّى مُشَمِّرِينَ جُهْدَهُمْ فِي كُلِّ صَوْبٍ وَأَوْبٍ، وَهَذَا تَقْضِي الْعَادَةُ بِأَنَّهُ افْتِرَاءٌ مَحْضٌ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ غَيْرَ مَا ذُكِرَ يَعْلَمُهُ هُوَ أَوْ أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَأَوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ السَّقِيفَةِ تَدَيُّنًا; إِذْ كَانَ فَرْضًا، وَقَوْلُهُمْ: "تَرَكَهُ تَقِيَّةً"; مَعَ مَا فِيهِ مِنْ نِسْبَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْجُبْنِ وَهُوَ أَشْجَعُ النَّاسِ بَاطِلٌ، وَإِذَا ثَبُتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى وِلَايَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فَلَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (إِمَامًا إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ وَالْبَيْعَةِ) ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَمْ يَنُصْ عَلَى إِمَامَتِهِ، عَلَى أَنَّ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي إِمَامَتِهِ، وَهُوَ إِشَارَةٌ وَتَلْوِيحٌ، فَالْأَوَّلُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَفَعَتْهُ: "ائْتُونِي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاسٍ أَكُتُبُ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ". ثُمَّ قَالَ: "يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ". وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِهَا بِمَعْنَاهُ، وَأَمَّا الثَّانِي -وَهُوَ الْإِشَارَةُ- فَإِقَامَتُهُ مَقَامَهُ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ، وَلَقَدْ رُوجِعَ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِهَا رَفَعَتْهُ: "لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ". وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى إِمَامَتِهِ فَفِي إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ غِنَى عَنْهُ; إِذْ هُوَ فِي ثُبُوتِ مُقْتَضَاهُ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي ثُبُوتِ مَا تَضَمَّنَهُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ عَلِيًّا وَالْعَبَّاسَ وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ لَمْ يُبَايِعُوا إِلَّا ثَالِثَ يَوْمٍ، وَاعْتَذَرُوا بِاشْتِغَالِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بِمَا وَهَمَهُمْ مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَمَّ بِذَلِكَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ تَخَلُّفَ مَنْ تَخَلَّفَ لَمْ يَكُنْ قَادِحًا فِيهَا. (وَأَمَّا تَقْدِيرُ النَّصِّ عَلَى غَيْرِهِ) كَعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَلِي: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي". كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا بِنَحْوِهِ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فِعْلِيٌّ مَوْلَاهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، فَمَعَ عَدَمِ دَلَالَتِهِمَا عَلَى الْمَطْلُوبِ حَسْبَمَا قَرَّرَهُ الْأَئِمَّةُ وَأَوْسَعُوا فِيهِ الْقَوْلَ (فَهُوَ نِسْبَةُ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ إِلَى مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَهُوَ بَاطِلٌ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا أُطْوَعَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِهِمْ، وَأَعْمَلَ بِحُدُودِهِ، وَأَبْعَدَ مِنَ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَحُظُوظِ النَّفْسِ، وَمِنْهُمْ بَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَعْلَمُوا الْحَقَّ فِي ذَلِكَ وَيَتَجَاهَلُوا عَنْهُ أَوْ يَرْوِيَهُ لَهُمْ أَحَدٌ يَجِبُ قَبُولُ رِوَايَتِهِ فَيَتْرُكُوا الْعَمَلَ بِهِ بِلَا دَلِيلٍ رَاجِحٍ، مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ جَازَ عَلَيْهِمُ الْخِيَانَةُ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَكِتْمَانُ الْحَقِّ لَارْتَفَعَ الْأَمَانُ فِي كُلِّ مَا نَقَلُوهُ لَنَا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَأَدَّى إِلَى أَلَّا يُجْزَمَ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ; لِأَنَّهُمْ هُمُ الْوَسَائِطُ فِي وُصُولِهَا إِلَيْنَا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ نَزَغَاتِ الْهَوَى وَالشَّيْطَانِ . (وَمَعَ) مَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ (مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ) فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى اخْتِيَارِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَفَهِمُوا مَعْنَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي حَقِّ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَنَّهُمَا لَا يَنُصَّانِ عَلَى إِمَامَتِهِ قَطْعًا بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ لَفْظِ الْمَوْلَى (وَذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَسْتَجْرِئْ) اسْتِفْعَالُ مِنَ الْجَرَاءَةِ وَهِيَ التَّهَوُّرُ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْأَمْرِ (عَلَى اخْتِرَاعِهِ) أَيْ: اخْتِلَاقِهِ (إِلَّا الرَّوَافِضُ) الطَّائِفَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَأَصِلُ الرَّفْضِ: التَّرْكُ، وَسُمُّوا رَافِضَةً لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ حِينَ نَهَاهُمْ عَنْ سَبِّ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا عَرَفُوا مَقَالَتَهُ وَأَنَّهُ لَا يَتَبَرَّأُ مِنَ الشَّيْخَيْنِ رَفَضُوهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ هَذَا اللَّقَبُ فِي كُلِّ مَنْ غَلَا فِي هَذَا الْمَذْهَبِ، وَلَهُ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ، يَجْمَعُهُمُ اسْمُ الرَّافِضَةِ، وَلَمَّا كَانَ فِي مُعْتَقَدَاتِ الرَّوَافِضِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَدُّوا، مَا عَدَا جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: أَبُو ذَرٍّ وَبِلَالُ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَصُهَيْبُ، لَوَّحَ الْمُصَنِّفُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: (وَاعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ) وَالْجَمَاعَةِ (تَزْكِيَةُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وُجُوبًا، بِإِثْبَاتِ الْعَدَالَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَالْكَفِّ عَنِ الطَّعْنِ فِيهِمْ (وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ كَمَا أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) وَأَثْنَى (رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِعُمُومِهِمْ وَخُصُوصِهِمْ، فِي آيٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَشَهِدَتْ نُصُوصُهُ بُعْدَ الَتُّهَمِ وَالرِّضَا عَنْهُمْ بِبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَكَانُوا حِينَئِذٍ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَسَبْعِمِئَةٍ، وَعَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ خَاصَّةً فِي آيٍ كَثِيرَةٍ، وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي". وَعِنْدَهُمَا: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِيَ..". وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: "أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَاهُمْ مَا يُوعَدُونَ". وَعِنْدَ الدَّارِمِيِّ وَابْنِ عَدِيِّ: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ". وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: "اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أُحِبُّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِيَ أُبْغِضُهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمِنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ". وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَثَوْبَانَ وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ: "إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا". وَمَنَاقِبُ الصَّحَابَةِ كَثِيرَةٌ، وَحَقِيقٌ عَلَى الْمُتَدَيِّنِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ لَهُمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ نُقِلَتْ هَنَاةُ فَلْيَتَدَبَّرِ الْعَاقِلُ النَّقْلَ وَطَرِيقَهُ، فَإِنْ ضَعُفَ رَدَّهُ، وَإِنْ ظَهَرَ وَكَانَ آحَادًا لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا عُلِمَ تَوَاتُرًا وَشَهِدَتْ بِهِ النُّصُوصُ، (و) مِنْ هَذَا (مَا جَرَى) مِنَ الْحُرُوبِ وَالْخِلَافِ (بَيْنَ مُعَاوِيَةَ) بْنِ أَبِي سُفْيَانَ (وَعَلِيِّ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) فِي صِفِّيْنَ لَمْ يَكُنْ عَنْ غَرَضٍ نَفْسَانِيٍّ وَحُظُوظِ شَهْوَةٍ، بَلْ (كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الِاجْتِهَادِ) الَّذِي هُوَ اسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (لَا مُنَازَعَةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِي) تَحْصِيلِ الْإِمَامَةِ، كَمَا ظُنَّ، وَهُوَ وَإِنْ قَاتَلَهُ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُنْكِرُ إِمَامَتَهُ وَلَا يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ; (إِذْ ظَنَّ عَلِيٌّ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ تَسْلِيمَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ حِينَ قَدِمَتْ نَائِلَةُ ابْنَةُ الْفَرَافِصَةِ، زَوْجُ عُثْمَانَ، عَلَى مُعَاوِيَةَ بِدِمَشْقَ وَهُوَ بِهَا أَمِيرٌ بِقَمِيصِ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ مَخْلُوطًا بِدَمِهِ، فَصَعَدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَحَرَّضَ قَبَائِلَ الْعَرَبِ عَلَى التَّمْكِينِ مَنْ قَتَلَتِهِ، فَجَمَعَ الْجُيُوشَ وَسَارَ وَطَالَبَ عَلِيًّا إِذْ بَلَغَهُ أَنَّ قَتَلَتَهُ لَاذَتْ بِهِ وَهُمْ يَصْرُخُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ: نَحْنُ قَتَلْنَا عُثْمَانَ. فَرَأَى عَلِيٌّ أَنَّ تَسْلِيمَهُمْ لَهُ (مَعَ كَثْرَةِ عَشَائِرِهِمْ) مِنْ مُرَادِ وَكِنْدَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ لَفَائِفِ الْعَرَبِ مَعَ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قِيلَ: إِنَّهُمْ أَلْفٌ. وَقِيلَ: خَمْسُمِئَةٌ. وَجَمْعٌ مِنَ الْكُوفَةِ، وَجَمْعٌ مِنَ الْبَصْرَةِ، قَدِمُوا كُلُّهُمُ الْمَدِينَةَ، وَجَرَى مِنْهَا مَا جَرَى، بَلْ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُمْ هُمْ وَعَشَائِرُهُمْ نَحْوٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، (وَاخْتِلَاطُهُمْ بِالْعَسْكَرِ) وَانْتِشَارُهُمْ فِيهِ (يُؤَدِّي إِلَى اضْطِرَابِ أَمْرِ الْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى، الَّتِي بِهَا انْتِظَامُ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، خُصُوصًا (فَى بِدَايَتِهَا) قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الْأَمْرِ فِيهَا (فَرَأَى التَّأْخِيرَ أَصْوَبَ) حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ الْإِمَامَةِ; فَقَدْ ثَبُتَ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ هَاجَتِ الْفِتْنَةُ بِالْمَدِينَةِ، وَقَصَدَ الْقَتَلَةُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا وَالْفَتْكَ بِأَهْلِهَا، فَأَرَادَتِ الصَّحَابَةُ تَسْكِيْنَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ بِتَوْلِيَةِ عَلِيٍّ فَامْتَنَعَ، وَعُرِضَتْ عَلَى غَيْرِهِ فَامْتَنَعَ أَيْضًا; إِعْظَامًا لِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَلِمَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَنَاشَدُوا عَلِيًّا اللَّهَ فِي حِفْظِ الْإِسْلَامِ وَصِيَانَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ، فَقَبِلَ بَعْدَ شِدَّةٍ، وَإِنَّمَا أَجَابَهُمْ عَلِيٌّ فِي تَوْلِيَتِهِ خَشْيَةً مِنَ الْإِمَامَةِ أَنْ تُهْمَلَ، وَهِيَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سِرْتُ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي إِلَى عَلِيٍّ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ وَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: عَدَا النَّاسُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَقَتَلُوهُ وَأَنَا مُعْتَزِلٌ عَنْهُمْ، ثُمَّ وَلُّونِيْ، وَلَوْلَا الْخَشْيَةُ عَلَى الدِّينِ لَمْ أُجِبْهُمْ. (وَظَنَّ مُعَاوِيَةُ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (تَأْخِيرَ أَمْرِهِمْ) أَيْ: قَتَلَةِ عُثْمَانَ (مَعَ عَظِيمِ جِنَايَتِهِمْ) مِنْ هُجُومِهِمْ عَلَيْهِ دَارَهُ، وَهَتْكِهِمْ سِتْرَ أَهْلِهِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ مَعَ تَنَصُّلِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتِذَارِهِ مَنْ كُلِّ مَا أَوْرَدُوهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَكْبَرِ جِنَايَاتِهِمْ هَتْكُ ثَلَاثَةِ حُرَمٍ: حُرْمَةُ الدَّمِ، وَالشَّهْرِ، وَالْبَلَدِ (يُوجِبُ الْإِغْرَاءَ بِالْأَئِمَّةِ) بِهَتْكِ حُرَمِهِمْ (وَيُعَرِّضُ الدِّمَاءَ لِلسَّفْكِ) أَيْ: يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلَفْتِكِ وَالْهَتْكِ وَالسَّفْكِ، فَمُعَاوِيَةُ طَلَبَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ مِنْ عَلِيٍّ; ظَنًّا أَنَّهُ مُصِيبٌ، وَكَانَ مُخْطِئًا (وَقَدْ قَالَ أَفَاضِلُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. وَقَالَ قَائِلُونَ) مِنْهُمْ: (الْمُصِيبُ وَاحِدٌ. وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى تَخْطِئَةِ عَلِيٍّ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (ذُو تَحْصِيلٍ) وَنَظَرٍ فِي الْعِلْمِ أَصْلًا، بَلْ كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُصِيبًا فِي اجْتِهَادِهِ، مُتَمَسِّكًا بِالْحَقِّ . اعْلَمْ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالْشَرْعِيَّاتِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ قَدْ يُخْطِئُ، وَقَدْ يُصِيبُ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا مُصِيبٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ احْتِمَالَاتٍ أَرْبَعَةً: *الْأَوَّلَ: لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا حُكْمٌ مُعَيَّنٌ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ، بَلِ الْحُكْمُ فِيهَا مَا أَدَّى إِلَيْهِ رَأْيُ الْمُجْتَهِدِ، فَعَلَى هَذَا قَدْ تَنْعَقِدُ الْأَحْكَامُ الْحَقَّةُ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا . *الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ مُعَيَّنٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْهُ تَعَالَى، بَلِ الْعُثُورُ عَلَى دَفِينَةٍ . *الثَّالِثَ: أَنَّ الْحُكْمَ مُعَيَّنٌ، وَلَهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ . *الرَّابِعَ: أَنَّ الْحُكْمَ مُعَيَّنٌ وَلَهُ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كُلِّ احْتِمَالٍ جَمَاعَةٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْحُكْمَ مُعَيَّنٌ وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ، إِنْ وَجَدَهُ الْمُجْتَهِدُ أَصَابَ، وَإِنْ فَقَدَهُ أَخْطَأَ، وَالْمُجْتَهِدُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِإِصَابَتِهِ، كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ، وَذَلِكَ لِغُمُوضِهِ وَخَفَائِهِ; فَلِذَلِكَ كَانَ الْمُخْطِئُ مَعْذُورًا، فَلِمَنْ أَصَابَ أَجْرَانِ، وَلِمَنْ أَخْطَأَ أَجْرٌ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنْ أَصَبْتَ فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأَتْ فَلَكَ حَسَنَةٌ". ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ، إِذِ الضَّمِيرُ لِلْحُكُومَةِ، أَوِ الْفُتْيَا، وَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الاجْتِهَادَيْنِ صَوَابًا لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمَانَ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَكَمَ بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ، وَبِالْحَرْثِ لِصَاحِبِ الْغَنَمِ، وَحَكَمَ سُلَيْمَانُ بِأَنْ تَكُونَ الْغَنَمُ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ يَنْتَفِعُ بِهَا وَيَقُومُ صَاحِبُ الْغَنَمِ عَلَى الْحَرْثِ حَتَّى يَرْجِعَ كَمَا كَانَ، فَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مُلْكِهِ، وَكَانَ حُكْمُ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالِاجْتِهَادِ دُونَ الْوَحْيِ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ لِسُلَيْمَانَ خِلَافُهُ، وَلَا لِدَاوُودَ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الاجْتِهَادَيْنِ حَقًّا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ أَصَابَ الْحُكْمَ وَفَهِمَهُ، لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ سُلَيْمَانَ بِالذِّكْرِ وَجْهٌ; فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَدُلْ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ دَلَالَةً كُلِّيَّةً، لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَوْضُوعِ بِمَعُونَةِ الْمَقَالَةِ، كَمَا لَا يَخْفَى . وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ، الْفَتْوَى وَالْحُكُومَةَ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ وَأَوْلَى، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ; فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ إِصَابَتُهُمَا فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْعِلْمِ بِأَمْر الدِّينِ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِ سُلَيْمَانَ: غَيْرُ هَذَا أَوْفَقُ لِلْفَرِيقَيْنِ، أَوْ: أَرْفَقُ. كَأَنْ قَالَ: هَذَا حُقٌّ، وَغَيْرُهُ أَحَقُّ. وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْخَطَأِ مِنْ الْعُلَمَاءِ; فَإِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. كَذَا أَوْرَدَهُ مُلَّا عَلِيُّ فِي شَرْحِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ: بَابُ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ: يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ رَدَّ حُكْمَهُ أَوْ فَتْوَاهُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ أَنْ يَأْثَمَ بِذَلِكَ، بَلْ إِذَا بَذَلَ وِسْعَهُ أُجِرَ، فَإِنْ أَصَابَ ضُوعِفَ أَجْرُهُ، لَكِنْ لَوْ أَقْدَمَ فَحَكَمَ أَوْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لَحِقَهُ الْإِثْمُ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذَرِ: وَإِنَّمَا يُؤْجَرُ الْحَاكِمُ إِذَا أَخْطَأَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالِاجْتِهَادِ فَاجْتَهَدَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَلَا، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ: "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ"، وَفِيهِ: وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ حَقٍّ; فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَهُوَ فِي النَّارِ". وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ: إِنَّمَا يُؤْجَرُ الْمُجْتَهِدُ إِذَا كَانَ جَامِعًا لِآلَةِ الِاجْتِهَادِ، فَهُوَ الَّذِي نَعْذُرُهُ بِالْخَطَأِ، بِخِلَافِ الْمُتَكَلِّفِ، فَيَخَافُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّمَا يُؤْجَرُ الْعَالِمُ; لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ عِبَادَةُ، هَذَا إِذَا أَصَابَ، وَأَمَّا إِذَا أَخْطَأَ فَلَا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ، بَلْ يُوضَعُ عَنْهُ الْإِثْمُ فَقَطْ، كَذَا قَالَ، وَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: "وَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ"، مَجَازٌ عَنْ وَضْعِ الْإِثْمِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَقَّ فِي طَرَفَيْنِ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ حُكِيَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمُ اخْتِلَافٌ فِيهِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَالْمَعْرُوفُ عَنِ الشَّافِعِيِّ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْتَصَّ الْخِلَافُ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدُ; إِذْ كَلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ بِالْمَسَائِلِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ الْحَقُّ مِنْهَا بِطَرِيقَةِ الدَّلَالَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية