الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة لَنَا : قَوْلُهُ تَعَالَى : قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ وَالدَّعْوَى نَفْيُهُ ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْخَصْمَيْنِ يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْ دَعْوَاهُ بِعِبَارَةٍ نَافِيَةٍ ، كَقَوْلِ مُدَّعِي حُدُوثَ الْعَالَمِ : لَيْسَ بِقَدِيمٍ ، وَقِدَمُهُ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ ، فَيَسْقُطُ الدَّلِيلُ عَنْهُمَا فَتَعُمُّ الْجَهَالَةُ وَيَقَعُ الْخَبْطُ وَيَضِيعُ الْحَقُّ ، وَطَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى النَّفْيِ بَيَانُ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَنَحْوِهِ . قَالُوا : النَّفْيُ أَصْلِيُّ الْوُجُودِ ، فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الدَّلِيلِ ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَلْزَمُهُ دَلِيلٌ . قُلْنَا : الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الدَّلِيلِ لَا يُسْقِطُهُ ، وَتَعَذُّرُهُ مَمْنُوعٌ ، وَانْتِفَاءُ الدَّلِيلِ عَنِ الْمَدِينِ مَمْنُوعٌ ، إِذِ الْيَمِينُ دَلِيلٌ ، وَإِنْ سُلِّمَ فَلِتَعَذُّرِهِ ، إِذِ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ بَاطِلَةٌ لِتَعَذُّرِهَا ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَى مِلْكِهِ أَغْنَاهُ عَنِ الدَّلِيلِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِجْمَاعِيٌّ كَنَفْيِ صَلَاةِ الضُّحَى ، أَوْ نَصِّيٌّ كَنَفْيِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ ، أَوْ قِيَاسِيٌّ كَإِلْحَاقِ الْخُضْرَاوَاتِ بِالرُّمَّانِ فِي نَفْيِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، وَعَلَى نَفْيِ الْعَقْلِيِّ مَا سَبَقَ . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِجْمَاعِيٌّ " إِلَى آخِرِهِ . هَذَا بَيَانُ أَنْوَاعِ مَدَارِكِ نَفْيِ الْحُكْمِ ، أَيْ : حَيْثُ قَدْ أَثْبَتْنَا أَنَّ نَافِيَ الْحُكْمَ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ مُطْلَقًا ، فَالْحُكْمُ إِمَّا شَرْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ . أَمَّا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ ، فَقَدْ يَكُونُ مَدْرَكُ نَفْيِهِ الْإِجْمَاعَ ، " كَنَفْيِ " وُجُوبِ " صَلَاةِ الضُّحَى " ، فَإِنَّهَا بِالْإِجْمَاعِ لَا تَجِبُ ، لَكِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ، وَقَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ النَّصَّ ، " كَنَفْيِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ " وَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ وَ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَ لَيْسَ فِي الْكُسْعَةِ وَلَا فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ وَالْكُسْعَةُ : الْحَمِيرُ ، وَالْجَبْهَةُ : الْخَيْلُ ، وَقَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ الْقِيَاسَ ، كَقَوْلِنَا : لَا زَكَاةَ فِي الْخُضْرَاوَاتِ ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الرُّمَّانِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ . وَأَمَّا الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ ، فَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِهِ " مَا سَبَقَ " يَعْنِي مِنْ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنْ إِثْبَاتِهِ ، وَدَلِيلُ التَّلَازُمِ نَحْوُ : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [ الْأَنْبِيَاءِ : 22 ] ، لَكِنَّهُمَا مَا فَسَدَتَا ، فَلَزِمَ أَنْ لَا إِلَهَ فِيهِمَا إِلَّا اللَّهُ ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ ، وَفَسَادُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَازِمٌ لِوُجُودِ إِلَهَيْنِ فَأَكْثَرَ ، فَانْتِفَاءُ الْفَسَادِ فِيهِمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ فِيهِمَا ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية