الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل ربا الفضل بلا نساء

والفرق بين الحيل وسد الذرائع أن الحيلة تكون مع قصد صاحبها ما هو محرم في الشرع ، فهذا يجب أن يمنع من قصده الفاسد . وأما سد الذرائع فيكون مع صحة القصد خوفا أن يفضي ذلك إلى الحيلة . والشارع قد سد الذرائع في مواضع ، كما بسطت ذلك في كتاب : «بيان الدليل على بطلان التحليل » ، ولكن يشترط أن لا تفوت مصلحة [ ص: 320 ] راجحة ، فيكون النهي عما فيه مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ، فأما إذا كان فيه مصلحة راجحة كان ذلك مباحا ، فإن هذه المصلحة راجحة على ما قد يخاف من المفسدة . ولهذا يجوز النظر إلى الأجنبية للخطبة لرجحان المصلحة ، وإن كان النظر لغير حاجة لم يجز .

وكذلك سفر المرأة مع غير ذي محرم منهي عنه ، ويجوز لرجحان المصلحة ، كسفر عائشة مع صفوان بن المعطل لما كانت وحدها ، وكان سفرها معه خيرا من أن تبقى ضائعة .

وكذلك هجرتها بلا محرم ، كهجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بلا محرم ، وزينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسل لها رجالا جاءوا بها .

وقد تنازع الفقهاء في الحج ، والأقوى أنه إذا تعذر حجها مع المحرم أن تحج إذا أمنت ، لأن حجها مع من تأمنه أرجح من تفويت الحج . وقوله : «حج مع امرأتك » دليل على أنه إذا أمكن سفرها مع محرم لم تخرج وحدها جمعا بين المصلحتين ، وأما إذا دار الأمر بين تفويت الحج وبين سفرها بلا محرم سفرا آمنا كان حصول الحج أصلح لها ، فإن حصول الفساد في دينها إذا سافرت وحدها ، وهذا في طريق الحج نادر ، ومع من تأمنه معدوم ، بخلاف سفرها بلا محرم لتجارة [ ص: 321 ] وزيارة ، فإن هذه مظنة فساد دينها ، كخلوة الأجنبي بها ، وخلوته بها لرجحان المصلحة جائز . وأحمد في رواية المروذي قد جوز السفر للكبيرة التي لا محرم لها وقد يئست من الزواج ، فإنها من القواعد .

وكذلك سفرها إلى المساجد الثلاثة هو طاعة وقربة تفوتها ، فإذا أمنت لم يبعد جوازه ، بخلاف السفر الذي ليس بواجب ولا مستحب ، فإن هذا ليس فيه مصلحة راجحة في دينها ، وفيه مفسدة في دينها ، فإن انفرادها عن الزوج والمحرم مظنة حصول الشر في دينها ، فإذا فوت السفر الذي هو في نفسه طاعة ، والسفر غير الطاعة ، واعتبر في سفر الطاعة أن تكون آمنة ، فهذا قول متوجه كما قال كثير من العلماء .

وهم متفقون على أن قوله : «لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم » ليس على عمومه ، فإنه يجوز لها سفر الضرورة ، كسفر الهجرة ، وكسفر زينب وأم كلثوم بلا زوج ولا ذي محرم .

والنظر إلى الأجنبية منع منه لأنه داعية للمحرم ، يجوز للخاطب بالنص والإجماع للحاجة ، وجوز للشاهد والعامل ، وجوزه أصحابنا وغيرهم بشرط عدم الشهوة ، وجوزه أصحاب أبي حنيفة مع الشهوة ، وإذا كان بلا شهوة يجوز عندهم مطلقا إلى الوجه واليدين ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي .

ومن ذلك : الصلاة وقت الطلوع والغروب ، نهي عنه لسد الذريعة [ ص: 322 ] لئلا يشبه عباد الشمس ، فيجوز للمصلحة الراجحة ، مثل قضاء الفوائت وغيرها . والصحيح أنه يجوز في ذوات الأسباب مطلقا ، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث