الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 357 ] 22324 - وسئل مالك ، عن الرجل يضطر إلى الميتة . أيأكل منها ، وهو يجد ثمر القوم أو زرعا أو غنما بمكانه ذلك ؟ قال مالك : إن ظن أن أهل ذلك الثمر ، أو الزرع ، أو الغنم ، يصدقونه بضرورته ، حتى لا يعد سارقا فتقطع يده ، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ، ما يرد جوعه ، ولا يحمل منه شيئا . وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة ، وإن خشي أن لا يصدقوه ، وأن يعد سارقا بما أصاب من ذلك فإن أكل الميتة خير له عندي ، وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة . مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة ، ويريد استجازة أخذ أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك ، بدون اضطرار .

22325 - قال مالك : وهذا أحسن ما سمعت .

التالي السابق


22326 - قال أبو عمر : قوله : أحسن ما سمعت يدل على أنه سمع الاختلاف في ذلك ، ورأى للمضطر أن يأكل من الميتة حتى يشبع ، ولم ير له أن يأكل من مال غيره ، إلا ما يرد جوعه ، ولا يحمل منه شيئا ، كأنه رأى الميتة أطلق أكلها للمضطر ، وجعل قوله - عليه السلام - : " أموالكم عليكم حرام " يعني أموال بعضكم على بعض أعم وأشد .

22327 - وهذا يخالفه فيه غيره ; لعموم قوله : ( إلا ما اضطررتم إليه ) [ ص: 358 ] ولأن المواساة في العسرة ، وترميق المهجة من الجائع واجب على الكفاية بإجماع ، فكلاهما حلال في الحال .

22328 - أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكير ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني شعبة ، عن أبي بشر ، عن عباد بن شرحبيل ، قال : أصابتني سنة ، فدخلت حائطا من حيطان المدينة ، فعركت سنبلا ، فأكلت ، وحملت في ثوبي فجاء صاحبه ، فضربني ، وأخذ ثوبي ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : " ما علمت إذ كان جاهلا ، ولا أطعمت إذ كان جائعا " أو قال : " ساغبا " ، وأمره ، فرد علي ثوبي ، وأعطاني وسقا ، أو نصف وسق من طعام .

22329 - رواه غندر ، عن شعبة عن أبي بشر ، قال : سمعت عباد بن شرحبيل ، ولم يلق أبو بشر صاحبا غير هذا الرجل .

22330 - وفي حديث قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في هذا المعنى : فليحتلب ، فليشرب ، ولا يحمل .

[ ص: 359 ] 22331 - وأما قوله في التمر ، والزرع ، والغنم ، أنه يقطع إذا عد سارقا ، فهذا لا يكون في زرع قائم ، ولا ثمر في شجر ولا غنم في سرحها ; لأنه لا قطع في شيء من ذلك ، وإنما القطع في الزرع إذا صار في الأندر ، وصار الثمر في الجريس ، والغنم في الدار والمراح ، وسيأتي ما للعلماء في معنى الحرز في كتاب الحدود .

22332 - والذي قاله مالك في هذا الباب اختيار ، واستحباب واحتياط على السائل .

22333 - وأما الميتة فحلال للمضطر على كل حال ما دام في حال الاضطرار بإجماع .

22334 - وكذلك أكله زرع غيره ، أو إطعام غيره في تلك الحال له حلال ، ولا يحل لمن عرف حاله تلك أن يتركه يموت ، وعنده ما يمسك به رمقه ، فإن كان واحدا تعين ذلك عليه ، وإن كانوا جماعة كان قيامه به تلك الليلة أو اليوم والليلة فرضا على جماعتهم ، فإن قام به من قام منهم سقط ذلك الفرض عنهم ، ولا يحل لمن اضطر أن يكف عما يمسك رمقه ، فيموت .

[ ص: 360 ] 22335 - وفي مثل هذا قال مسروق : إن اضطر إلى الميتة ، ولم يأكلها ، ومات دخل النار ، فهو فرض عليه ، وعلى غيره فيه .

22336 - وهذا الذي وصفت لك عليه جماعة العلماء من السلف والخلف ، وبالله التوفيق .

22337 - إلا أنهم اختلفوا فيمن أكل شيئا له بال ، وقيمة من مال غيره ، وهو مضطر هل عليه ثمن ذلك أم لا ؟ : 22338 - فقال قوم : يضمن ما أحيا به نفسه .

22339 - وقال الأكثر : لا ضمان عليه إذا اضطر إلى ذلك .

22340 - قال ابن وهب : سمعت مالكا يقول في الرجل يدخل الحائط ، فيأكل من التمر ، أو يجده ساقطا ، قال : لا يأكل إلا أن يعلم أن نفس صاحبه تطيب بذلك ، أو يكون محتاجا ، فلا يكون عليه شيء .

22341 - وفي " التمهيد " بالإسناد عن أبي برزة الأسلمي ، وعبد الرحمن بن سمرة ، وأنس بن مالك أنهم كانوا يصيبون من الثمار في أسفارهم - يعني بغير إذن أهلها .

22342 - وعن الحسن ، قال : لا يأكل ، ولا يفسد ، ولا يحمل ، وسنزيد هذا [ ص: 361 ] المعنى بيانا عند قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " في باب الغنم ، من الجامع ، إن شاء الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث