الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        1042 999 - مالك ، عن نافع ؟ أن عبد الله بن عمر كان يتقي من الضحايا والبدن ، التي لم تسن ، والتي نقص من خلقها .

                                                                                                                        21281 - قال مالك : وهذا أحب ما سمعت إلي في ذلك .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        قال أبو عمر : جمهور العلماء روى حديث ابن عمر هذا في الموطأ ، وغيره .

                                                                                                                        21282 - وقال بعضهم : أنه كان يتقي من الضحايا التي لم تسن ، بكسر السين .

                                                                                                                        21283 - وبعضهم يرويه : التي لم تسن بفتح السين .

                                                                                                                        21284 - فمن روى بكسر السين يجعله من السنن ويقول : إن المعروف من مذهب ابن عمر أنه كان لا يضحي إلا بالثني من الضأن ، والمعز ، والإبل والبقر في الهدايا والضحايا .

                                                                                                                        [ ص: 131 ] 21285 - والذي روي عنه : لم تسن بفتح السين ، يقول : معناه لم تعط أسنانا ، وهي الهتماء ، لا تجوز عند أكثر أهل العلم في الضحايا .

                                                                                                                        21286 - وكان أبو محمد بن قتيبة يقول : ليس الصواب في حديث ابن عمر هنا إلا قول من رواه لم تسنن بنونين ، أي لم تعط أسنانا .

                                                                                                                        21287 - قال : وهذا كلام العرب لم يقولوا تسنن من لم تخرج أسنانه ، فكما يقولون لم يلبن إذا لم يعط لبنا ، ولم يستمن ، أي لم يعط سمنا ، ولم يعسل ، لم يعط عسلا .

                                                                                                                        21288 - وهذا مثل النهي عن الهتماء في الأضاحي .

                                                                                                                        21289 - وقال غير ابن قتيبة : لم تسنن التي لم تبدل أسنانها .

                                                                                                                        21290 - وهذا نحو قول ابن عمر في أنه لا يجوز إلا الثني فما فوقه إلا الجذع .

                                                                                                                        21291 - وأما حديث ابن عمر أنه كان يتقي في الضحايا ، والبدن التي نقص من خلقها ، والتي لم تسنن ، ففيه ، دليل على أن كل ما نقص من الخلق في الشاة لا تجوز في الضحية عنده .

                                                                                                                        21292 - إلا أن العلماء مجمعون على أن الجماء جائز أن يضحى بها ، فدل [ ص: 132 ] إجماعهم هذا على أن النقص المكروه هو ما تتأذى به البهيمة ، وينقص من ثمنها ، ومن شحمها .

                                                                                                                        21293 - وأجمع الجمهور على أن لا بأس أن يضحي بالخصي الأجم ، إذا كان سمينا .

                                                                                                                        21294 - وهم مع ذلك يقولون : إن الأقرن الفحل أفضل من الخصي الأجم إلا أن يكون الخصي الأجم أسمن ، فالأصل مع تمام الخلق السمن .

                                                                                                                        21295 - ذكر ابن وهب ، قال : أخبرني عبد الجبار بن عمر ، عن ربيعة أنه كان يكره كل نقص يكون في الضحية أن يضحي به ، قال : فأخبرني عمرو بن الحارث ، وابن لهيعة ، عن بكير بن الأشج ، عن سليمان بن يسار ، أنه كان يكره من الضحايا التي بها من العيب ما ينقص من سمنها قال : وسمعت مالكا يكره كل نقص يكون في الضحية إلا القرون وحدهم ، فإنه كان لا يرى بأسا أن يضحي بمكسورة القرن ، وتراه بمنزله الشاة الجماء .

                                                                                                                        21296 - قال أبو عمر : جمهور العلماء على القول بجواز الضحية [ ص: 133 ] المكسورة القرن إذا كان لا يدمي ، فإن كان يدمي ، فقد كرهه مالك ، وكأنه جعله مرضا بينا .

                                                                                                                        21297 - وقد روى قتادة ، عن جرير بن كليب ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الضحايا عن أعضب القرن والأذن .

                                                                                                                        21298 - قال قتادة : فقلت لسعيد بن المسيب : ما عضب الأذن والقرن ؟ قال النصف أو أكثر .

                                                                                                                        21299 - قال أبو عمر : لا يوجد ذكر القرن في غير هذا الحديث ، وبعض أصحاب أبي قتادة لا يذكر فيه القرن ، ويقتصر فيه على ذكر الأذن وحدها بذكره .

                                                                                                                        21300 - كذلك رواه هشام ، عن قتادة .

                                                                                                                        21301 - وهذا الذي عليه جماعة الفقهاء في القرن .

                                                                                                                        21302 - وأما الأذن ، فكلهم يراعون فيه ما قدمنا ذكره .

                                                                                                                        21303 وفي إجماعهم على إجازة الضحية بالجماء ما يبين لك أن حديث القرن [ ص: 134 ] لا يثبت ، ولا يصح ، وهو منسوخ ; لأنه معلوم أن ذهاب القرنين معا : أكثر من ذهاب بعض أحدهما .

                                                                                                                        21304 - وأما قول ابن عمر : يتقى من الضحايا ، والبدن التي لم تسن ، فإن ابن قتيبة قال : هي التي لم تنبت أسنانها ، كأنها لم تعط أسنانا .

                                                                                                                        21305 - وهذا كما تقول لم تلبن ، أي لم تعط لبنا ، ولم تستمن ، أي لم تعط سمنا ، ولم تعسل أي لم تعط عسلا .

                                                                                                                        21306 - قال : وهذا مثل النهي عن الهتماء في الأضاحي .

                                                                                                                        21307 - وقال غيره : التي لم تسن : التي لم تنزل أسنانها .

                                                                                                                        21308 - وهذا يشبه مذهب ابن عمر ؟ لأنه كان يقول في الضحايا والبدن : الثني فما فوقها ، ولا يجوز عنده الجذع من الضأن ، فما فوقها ، ولا غيره .

                                                                                                                        21309 - وهذا خلاف الآثار المرفوعة وخلاف الجمهور ، الذين هم حجة على من شذ عنهم ، وبالله التوفيق .

                                                                                                                        21310 - قال أبو عمر : ورواية مالك عن نافع ، عن ابن عمر في التي لم تسن ، والتي نقص من خلقها أصح من رواية من روي عنه جواز الأضحية بالأبتر ، والله أعلم .

                                                                                                                        21311 - وذكر ابن وهب ، قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب أنه قال : لا [ ص: 135 ] تجوز في الضحايا المجذوعة ثلث الأذن ومن أسفل منها ، ولا تجوز المسلولة الأسنان ، ولا الصرماء ، ولا جداء الضرع ، ولا العجفاء ، ولا الجرباء ، ولا المصرمة الأطماء ، وهي المقطوعة حلمة الثدي ، ولا العوراء ، ولا العرجاء .

                                                                                                                        21312 - قال أبو عمر : قول ابن شهاب في هذا الباب هو المعمول به ، والله الموفق للصواب .




                                                                                                                        الخدمات العلمية