الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        1025 981 - وأما حديث مالك في هذا الباب عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمته ؟ أنها حدثته عن جدته : أنها كانت جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء . فماتت ولم تقضه . فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها : أن تمشي [ ص: 17 ] عنها .

                                                                                                                        20737 - قال يحيى : وسمعت مالكا يقول : لا يمشي أحد عن أحد .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        20738 - قال أبو عمر : لا خلاف عن مالك أنه لا يمشي أحد عن أحد ، ولا يصوم عنه ، وأعمال النذر كلها عنده كذلك قياسا على الصلاة ، والمجتمع عليها .

                                                                                                                        20739 - وقال ابن القاسم : أنكر مالك الأحاديث في المشي إلى قباء ، ولم يعرف المشي إلا إلى مكة خاصة .

                                                                                                                        20740 - قال أبو عمر : لا يعرف مالك المشي إلا إلى مكة . بمعنى أنه لا يعرف إيجاب المشي ، وإنما هذا في الحالف والناذر عنده .

                                                                                                                        20741 - وأما قوله في المتطوع فقد ذكرناه في كتاب الصلاة عند ذكر حديث ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا .

                                                                                                                        20742 - وذكرنا هناك آثارا تدل على إتيان مسجد قباء ترغيبا فيه ، وأن صلاة واحدة فيه كعمرة .

                                                                                                                        20743 - ولم يختلف العلماء فيمن قال : علي المشي إلى بيت المقدس ، أو إلى مسجد المدينة ، ولم ينو الصلاة في واحد من المسجدين ، وإنما أراد قصدهما لغير [ ص: 18 ] الصلاة أنه لا يلزمه الذهاب إليهما .

                                                                                                                        20744 - فنذر المشي إلى قباء بذلك أولى ; لأن الصلاة في المسجد الحرام ، أو مسجد النبي - عليه السلام - أو مسجد بيت المقدس أفضل من الصلاة بقباء بإجماع من العلماء .

                                                                                                                        20745 - واختلفوا إذا أراد الصلاة فيهما أو في أحدهما أو ذكر المسجد منهما .

                                                                                                                        20746 - فقال مالك : إذا قال : لله المشي علي إلى المدينة ، أو إلى بيت المقدس ، فلا شيء عليه إلا أن ينوي أن يصلي هناك بل يلزمه الذهاب إليهما راكبا إن شاء ، ولا يلزمه المشي إليهما .

                                                                                                                        20747 - قال أبو عمر : قول مالك فيمن قال : لله علي أن أمشي إلى المدينة ، أو إلى بيت المقدس ، أنه لا شيء عليه إلا أن ينوي الصلاة في مسجدهما ، يدل على أن قائلا لو قال : علي المشي إلى قباء ، لم يلزمه شيء ، إلا أن يقول : مسجد قباء ، أو ينوي الصلاة في مسجد قباء .

                                                                                                                        20748 - فإذا قال : مسجد قباء ، أو نوى الصلاة في مسجد قباء .

                                                                                                                        20749 - فإذا قال : مسجد قباء ، علم أنه للصلاة ، وكذلك إذا نوى ذلك .

                                                                                                                        [ ص: 19 ] 20750 - فمن جعل الصلاة في مسجد قباء لها فضل الصلاة على غيرها أحب لنا ، بل أوفى بما فعل على نفسه .

                                                                                                                        20751 - ومن لم ير أعمال المصلي ولا المشي إلا إلى الثلاثة المساجد أمر من [ ص: 20 ] نذر الصلاة بهما أن يصلي في مسجده أو حيث شاء .

                                                                                                                        20752 - ومن قال : لا مشي إلا إلى مكة لم يلتفت إلى غير ذلك .

                                                                                                                        20753 - وهو قول مالك في المشي .

                                                                                                                        20754 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : من نذر المشي إلى مسجد النبي - عليه السلام - أو مسجد بيت المقدس لم يلزمه شيء .

                                                                                                                        20755 - وقال الأوزاعي : من نذر أن يمشي إلى بيت المقدس ، فليركب إن شاء ، وإن كانت امرأة ، فإن شاءت ركبت ، وإن شاءت تصدقت بشيء .

                                                                                                                        20756 - وقول مالك والشافعي أنه يمضي راكبا إلى بيت المقدس فيصلي فيه .

                                                                                                                        20757 - واختلفوا فيمن نذر أن يصوم أو يصلي في موضع يتقرب بإتيانه إلى الله عز وجل ، كالثغور ونحوها .

                                                                                                                        20758 - فقال مالك : من نذر ذلك فإنه يقصد ذلك الموضع فيصوم فيه أو يصلي .

                                                                                                                        20759 - وإن كان من أهل مكة أو المدينة يعني ولا يلزمه المشي .

                                                                                                                        20760 - قال : ولو قال : لله علي أن أعتكف في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعتكف في مسجد الفسطاط لم يجزه ذلك .

                                                                                                                        20761 - فقال الأوزاعي : إذا جعل عليه صيام شهر بمكة ، لم يجزه في غيرها . وإذا نذر صلاة في مكة لم يجزه في غيرها .

                                                                                                                        20762 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ومحمد : من نذر أن يصوم بمكة ، [ ص: 21 ] فصام بالكوفة ، أجزأه .

                                                                                                                        20763 - وقال زفر : لا يجزئه إلا أن يصوم بمكة .

                                                                                                                        20764 - وقال أبو يوسف : من نذر أن يصلي في المسجد الحرام ، فصلى في غيره ، لم يجزه ، وإن نذر أن يصلي ببيت المقدس ، فصلى في المسجد الحرام ، أجزأه .

                                                                                                                        20765 - وقال الشافعي : من نذر أن يصلي بمكة لم يجزه أن يصلي بالمدينة ، ولا ببيت المقدس .

                                                                                                                        20766 - وإن نذر الصلاة بالمدينة ، أو ببيت المقدس ، جاز له أن يصلي بمكة ، ولم يجزه أن يصلي في غيرها من البلدان إلا الفاضل من المدينة ، أو بيت المقدس . قال : وإن نذر سوى هذه البلاد صلى حيث شاء .

                                                                                                                        20767 - قال : وإن قال : لله علي أن أنحر بمكة ، لم يجزه في غيرها .

                                                                                                                        20768 - وكذلك إن نذر أن ينحر بغيرها ، لم يجزه إلا في الموضع الذي نذر ; لأنه شيء أوجبه على نفسه لمساكين ذلك البلد .

                                                                                                                        20769 - وقال الليث بن سعد : من نذر صياما في موضع ، فعليه أن يصوم في ذلك الموضع ، ومن نذر المشي إلى مسجد من المساجد ، مشى إلى ذلك المسجد .

                                                                                                                        [ ص: 22 ] 20770 - قال أبو جعفر الطحاوي : لم يوافق الليث على إيجاب المشي إلى سائر المساجد أحد من الفقهاء .

                                                                                                                        20771 - وأما فتيا ابن عباس المرأة التي جعلت على نفسها مشيا إلى قباء وماتت : أن تمشي ابنتها عنها ، فقد تقدم في كتاب الصيام الاختلاف عن ابن عباس في قضاء الولي عن وليه الميت ما كان واجبا عليه من صوم أو صدقة ، وما للعلماء في ذلك ما غنى عن إعادته هاهنا .

                                                                                                                        20772 - وأما الدليل على أن الصلاة في الموضع الفاضل تجزئ عن الصلاة في الموضع المقصود إليه بالصلاة ، فحديث جابر .

                                                                                                                        20773 - حدثناه عبد الله بن حماد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا حماد ، قال : أخبرنا حبيب المعلم ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله : أن رجلا قال : يا رسول الله إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ، قال : " صل هاهنا " ، وأعاد عليه مرتين ، كل ذلك يقول : " صل هاهنا " وأعاد عليه الثانية فقال : " شأنك إذا " .

                                                                                                                        25774 - قال أبو عمر : كل من ذهب إلى أن المسجد الحرام أفضل من مسجد النبي - عليه السلام - فعلى هذا يخرج جوابه بدليل هذا الحديث الذي ذكرناه .

                                                                                                                        [ ص: 23 ] 20775 - وكذلك قول مالك ومن تبعه في تفضيل مسجد النبي - عليه السلام - على المسجد الحرام يجيء أيضا على مثل هذا أن يصلي في مسجد النبي - عليه السلام - ولا يذهب إلى المسجد الحرام .

                                                                                                                        20776 - وهذا لا نعلم أن أحدا قاله فيمن نذر المشي إلى مكة ليصلي في مسجدها ، أنه يجزئه الصلاة في مسجد النبي - عليه السلام - فدل ذلك على فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره .

                                                                                                                        20777 - وكذلك لم يوجب أحد المشي إلى المدينة على الأقدام ، وأوجبوه إلى مكة ، وذلك بين في فضل مشيه إلى مكة على غيره ، وبالله التوفيق .

                                                                                                                        20778 - إلا أن الرواية عن مالك : في كل موضع يتقرب فيه إلى الله - عز وجل - بالصوم والصلاة ألا يتعدى إلى غيره ، وإن فات أفضل ، بدليل الحديث المذكور .

                                                                                                                        20779 - ومن هذا الأصل جوابه فيمن نذر أن يعتكف في مسجد النبي - عليه السلام - فاعتكف في الفسطاط أن لا يجزئه .

                                                                                                                        20780 - واحتج الطحاوي للكوفيين على زفر بأن قال : القربة في الصلاة دون الموضع فلا معنى لاعتبار الموضع .

                                                                                                                        20781 - ورد ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل الصلاة في مسجده والمسجد الحرام على ما سواهما من المساجد على من قال ذلك بصلاة الفريضة لا في النافلة ; بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا [ ص: 24 ] المكتوبة .

                                                                                                                        20782 - قال أبو عمر : لا معنى لقوله هذا ; لأنه معلوم أن من قصد بيت المقدس ، أو المسجد الحرام ، أو مسجد النبي - عليه السلام - لا تمتنع عليه الصلاة المكتوبة فيه ، بل القصد إليهما إلى المكتوبات ، وهو الغرض في قصد القاصد ، ونذر الناذر .

                                                                                                                        20783 - ولو قال قائل : إن فضل النافلة تبع لفضل الفريضة وجعل قوله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة في مسجدي هذا أفضل من أفضل صلاة في سائر المساجد إلا المسجد الحرام ، عموما في النافلة والفريضة كان مذهبا .

                                                                                                                        20784 - إلا أن فيه نسخ قوله : " صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة " لأن فضائله كانت تزيد في كل يوم لا تنقص ، وهذا من فضائله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه خبر لا يجوز عليه النسخ ، فقد بينا هذا في موضعه ، وذكرنا اختلاف العلماء في تفضيل المسجد الحرام على مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في " كتاب الصلاة " ، والحمد لله .




                                                                                                                        الخدمات العلمية