الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الأول : الدخول والمساكنة وفيه مسائل : إحداها : لو حلف لا يدخل الدار ، حنث بالحصول في عرصة الدار ، وأبنيتها من البيوت والغرف وغيرها ، فإن صعد سطحها ، بأن تسور جدارها ، أو جاء من دار الجار لم يحنث ، إن كان السطح غير محوط ، ولا عليه سترة ، فإن كان فوجهان ، الأصح وظاهر النص : لا يحنث أيضا ، كما لو حصل على الجدار ، والثاني : إن كان التحويط من الجوانب الأربعة ، حنث ، وإن كان من جانب ، فلا ، وإن كان من الجانبين ، أو ثلاثة ، فوجهان مرتبان . هذا إذا لم يكن السطح مسقفا ، فإن كان مسقفا كله أو بعضه حنث قطعا إذا كان يصعد إليه من الدار ، لأنه من أبنية الدار ، ولو حلف ليخرجن من الدار ، فهل يبر بصعود السطح ، وجهان ، أحدهما : لا ، وبه قال الشيخ أبو محمد ، لأنه لا يعد خارجا حتى يفارق السطح ، وأصحهما نعم ، وبه قال القاضي حسين ، لأنه يصح أن يقال : ليس هو [ ص: 28 ] في الدار ، وإذا لم يكن فيها كان خارجا ويؤيده : أن ابن الصباغ حكى عن الأصحاب ، أنه : لو حلف لا يخرج من الدار ، فصعد سطحها ، حنث ، ولا يخفى أنه ينظر في الخروج أيضا إلى كون السطح محوطا أو غيره ، ولو حلف لا يدخل ، فدخل الطاق المضروب خارج الباب لم يحنث ، على الأصح ، لأنه لا يقال : دخل الدار ، والثاني : يحنث ، لأنه من الدار ، ولهذا يدخل في بيعها ، فلو دخل الدهليز خلف الباب ، أو بين البابين حنث ، لأنه من الدار ، وحكى الفوراني نصا أن داخل الدهليز لا يحنث ، وحملوه على الطاق خارج الباب ، وأشار الإمام إلى إثباته قولا في الدهليز ، وقال : لا يبعد أن يقال : دخل الدهليز ولم يدخل الدار ، وجعل المتولي الدرب المختص بالدار أمام البيت ، إذا كان داخلا في حد الدار ، ولم يكن في أولها باب كالطاق ، قال : فإن كان عليه باب ، فهو من الدار مسقفا كان أو غيره .

فرع

حلف لا يدخل الدار ، وهو فيها ، لا يحنث بالمكث ، وحكي قول ، ووجه أنه يحنث ، والمشهور الأول ، وعليه نص في حرملة ، ولو حلف لا يخرج وهو خارج ، لا يحنث بترك الدخول ، وكذا لو حلف لا يتزوج وهو متزوج ، أو لا يتطهر وهو متطهر ، أو لا يتوضأ وهو متوضئ ، فاستدام النكاح والطهارة والوضوء لا يحنث . ولو حلف لا يلبس وهو لابس ، فلم ينزع ، أو لا يركب وهو راكب فلم ينزل ، حنث بالاستدامة ، لأنه يسمى لبسا وركوبا ، ولهذا يصلح أن [ ص: 29 ] يقال : لبست شهرا وركبت ليلة ، ولا يصح أن يقال : دخلت شهرا أو تزوجت شهرا ، وإنما يقال : سكنت أو أقمت شهرا ولو حنث باستدامة اللبس ثم حلف لا يلبس ، فاستدام ، لزمه كفارة أخرى ، لأن اليمين الأولى انحلت بالاستدامة الأولى ، وهذه يمين أخرى ، وقد حنث فيها ، واستدامة القيام والقعود واستقبال القبلة قيام وقعود واستقبال ، وهل استدامة التطيب بطيب ؟ وجهان : أصحهما : لا . ولهذا لو تطيب ، ثم أحرم ، واستدام ، لا يلزمه الفدية ، وذكر الوجهان : فيما لو حلف أن لا يطأ ، وهو في خلال الوطء ، فلم ينزع ، أو أن لا يصوم أو لا يصلي وهو شارع فيهما ، فلم يترك ، ويتصور ذلك في الصلاة إذا حلف ناسيا في الصلاة ، فإن اليمين تنعقد ، وإن حلف لا يغصب ، لم يحنث باستدامة المغصوب في يده ، ولو حلف لا يسافر وهو في السفر ، فوقف ، أو أخذ في العود في الحال ، لم يحنث في العود ، وكأن الصورة فيمن حلف على الامتناع عن ذلك السفر ، وإلا فهو مسافر أيضا .

فرع

إذا حلف لا يدخل الدار ، حنث بالحصول فيها ، سواء دخلها من الباب أو من ثقب في الجدار ، أو كان في الدار نهر خارج فطرح نفسه في الماء فحمله ، أو سبح ، أو ركب سفينة فدخلت السفينة الدار ونزل من السطح . وفي صورة السطح وجه ضعيف ، وسواء دخلها راكبا أو ماشيا . ولو أدخل في الدار يده أو رأسه أو إحدى رجليه ، لم يحنث ، وكذا لو مد رجليه فأدخلهما الدار وهو قاعد خارجها ، لم يحنث ، وإنما يحنث إذا وضعهما في الدار واعتمد عليهما ، أو حصل في الدار متعلقا بشيء . ولو حلف : لا يخرج ، فأخرج يده أو رجله ، أو رجليه وهو قاعد فيها ، لم يحنث . ولو كان في الدار شجرة منشرة الأغصان ، فتعلق ببعضها ، فإن حصل في محاذاة البنيان بحيث صارت محيطة به عالية [ ص: 30 ] عليه ، حنث . وإن حصل في محاذاة سترة السطح ، ففيه الوجهان . وإن كان الأعلى من ذلك ، لم يحنث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث