الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الطرف الرابع في الحكم بالشيء الغائب على غائب . الغيبة والحضور إنما تتعاقبان الأعيان ، فأما إذا كانت دعوى نكاح أو طلاق أو رجعة ، أو إثبات وكالة ، فلا يوصف المدعي بغيبة ولا حضور ، وكذا إذا كان المدعى دينا .

                                                                                                                                                                        ومتى ادعى عينا ، فإن كانت حاضرة مشارا إليها ، سلمت إلى المدعي إذا تمت حجته ، وإن كانت غائبة ، فلها حالان الأولى أن تكون غائبة عن البلد ، فهي إما عين يؤمن فيها الاشتباه والاختلاط ، كالعقار وعبد وفرس معروفين ، وإما غيرها ، والقسم الأول يسمع القاضي البينة عليه ، ويحكم ويكتب إلى قاضي بلد ذلك المال ليسلمه إلى المدعي ، ويعتمد في العقار على ذكر البقعة والسكة والحدود ، وينبغي أن يتعرض لحدوده الأربعة ، ولا يجوز الاقتصار على حدين أو ثلاثة ، ولا يجب التعرض للقيمة على الأصح لحصول التمييز دونه .

                                                                                                                                                                        وأما القسم الثاني كغير المعروف من المعروف من العبيد والدواب وغيرها فهل يسمع البينة على عينها وهي غائبة ؟ قولان : أحدهما نعم ، كما يسمع على الخصم الغائب اعتمادا على الحلية والصفة ، ولأنه يحتاج إليه كالعقار .

                                                                                                                                                                        والثاني : لا ، لكثرة الاشتباه ، وبهذا قال المزني ، ورجحه طائفة ، منهم أبو الفرج الزاز ، والأول اختيار الكرابيسي ، والإصطخري ، وابن القاص ، وأبي علي الطبري ، وبه أفتى القفال .

                                                                                                                                                                        فإذا قلنا به ، فهل يحكم للمدعي بما قامت به البينة ؟ قولان ، أحدهما : نعم كالعقار ، وأظهرهما : لا ؛ لأن الحكم مع خطر الاشتباه والجهالة [ ص: 189 ] بعيد . والحاصل ثلاثة أقوال ، أظهرها : تسمع البينة فينبغي أن يبالغ البينة ولا يحكم ، والثاني لا يسمع ولا يحكم ، والثالث يسمع ويحكم ، هذه طريقة الجمهور ، وطردوها في جميع المنقولات التي لا تعرف ، وقال الإمام والغزالي : ما لا يؤمن فيه الاشتباه ضربان ما يمكن تمييزه بالصفات والحلي كالحيوان ، وما لا يمكن لكثرة أمثاله كالكرباس ، فالأول على الأقوال الثلاثة ، وقطعا في الكرباس ونحوه [ بأنه ] لا ترتبط الدعوى والحكم بالعين ، فإن قلنا : يسمع البينة ، فينبغي أن يبالغ المدعي في الوصف بما يمكن الاستقصاء والتعرض للثبات .

                                                                                                                                                                        وبماذا يضبط بعد ذكر الجنس والنوع ؟ قولان حكاهما الهروي وغيره ، أحدهما لتعرض الأوصاف المعتبرة في السلم ، والثاني يتعرض للقيمة ، وتكفي عن ذلك الصفات ، قالوا : والأظهر أن الركن في تعريف ذوات الأمثال ذكر الصفات وذكر القيمة مستحب في ذوات القيم ، الركن القيمة ، وذكر الصفات مستحب ، ثم يكتب القاضي إلى قاضي بلد المال بما جرى عنده من مجرد قيام البينة ، أو مع الحكم إن جوزنا الحكم المبرم ، فإن أظهر الخصم هناك عبدا آخر بالاسم والصفات المذكورة في يده ، أو في يد غيره ، فقد صار القضاء مبهما ، وانقطعت المطالبة في الحال ، كما سبق في المحكوم عليه ، وإن لم يأت بدافع ، فإن كان الكتاب كتاب حكم ، وجوزناه ، حلف المدعي أن هذا المال هو الذي شهد به شهوده عند القاضي فلان ، وتسلم إليه ، ذكره ابن القاص في كتاب آداب القضاء ، وإن كان كتاب سماع البينة ، انتزع المكتوب إليه المال ، وبعثه إلى الكاتب ، ليشهد الشهود على عينه ، وفي طريقه قولان ، أظهرهما وأشهرهما وبه قطع ابن الصباغ وغيره : يسلم إلى المدعي ، ويؤخذ منه كفيل ببدنه .

                                                                                                                                                                        وقال أبو الحسن العبادي : يكفله قيمة المال ، فإن ذهب إلى القاضي الكاتب ، وشهد الشهود على عينه [ ص: 190 ] وسلم به ، كتب القاضي بذلك إبراء الكفيل وإلا فعلى المدعي الرد ، ومؤنته ، ويختم العين عند تسليمها إليه بختم لازم ، فإن كان عبدا ، جعل في عنقه القلادة ، ويختم عليها ، والمقصود من الختم أن لا يبدل المأخوذ بما لا يستريب الشهود في أنه له ، وأخذ الكفيل واجب ، والختم مستحب ، وعلى هذا القول لو كان للمدعي جارية ، فثلاثة أوجه ، أحدها : أنها كالعبد ، والثاني : لا تبعث أصلا ، والثالث : تسلم إلى أمين في الرفقة لا إلى المدعي ، وهذا حسن .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الثالث هو الصحيح أو الصواب ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ثم المفهوم من كلام الجمهور أن الشهود إذا شهدوا على عينه عند الكاتب ، سلمه إلى المدعي ، وقد تم الحكم له ، ثم يكتب إبراء الكفيل على ما ذكرنا ، وفي " الفروق " للشيخ أبي محمد أنه يختم على رقبته ختما ثانيا ، ويكتب بأني حكمت به لفلان ، ويسلمه إلى المكتوب له ، ليرده إلى القاضي الثاني ، فيقرأ الكتاب ، ويطلق الكفيل ، ويسلم العبد إلى المدعي .

                                                                                                                                                                        والقول الثاني أن القاضي بعد الانتزاع يبيعه للمدعي ، ويقبض منه الثمن ، ويضعه عند عدل ، أو يكفله بالثمن ، فإن سلم للمدعي بشهادة الشهود على عينه عند القاضي الكاتب ، كتب برد الثمن ، أو براءة الكفيل ، وبان بطلان البيع ، وإلا فالبيع صحيح ، ويسلم الثمن إلى المدعى عليه ، وهذا بيع يتولاه القاضي للمصلحة ، كما يبيع الضوال ، وحكى الفوراني بدل هذا القول أنه يسلم إليه المال ، ويأخذ القيم ويدفعها إلى المدعى عليه للحيلولة بينه وبين ما يزعمه ملكا له ، ثم يسترد هذه القيمة ، سواء ثبت المال للمدعي أم لا .

                                                                                                                                                                        [ ص: 191 ] الحالة الثانية : أن تكون العين المدعاة غائبة عن مجلس الحكم دون البلد ، فإن كان الخصم حاضرا أمر بإحضاره لتقوم البينة على عينها ، ولا تسمع الشهادة على صفتها هذا [ هو ] الجواب في فتاوى القفال .

                                                                                                                                                                        ويشبه أن يجيء فيه وجه فيما إذا كان المدعى عليه في البلد ، هل تسمع الشهادة عليه مع غيبته عن المجلس ؟ ثم إنما يؤمر بإحضار ما يمكن إحضاره بتيسر فأما ما لا يمكن ، كالعقار ، فيحده المدعي ويقيم البينة عليه بتلك الحدود ، فإن قال الشهود : نعرف العقار بعينه ، ونعرف الحدود ، بعث القاضي من يسمع البينة على عينه ، أو حضر بنفسه ، فإن كان المشار إليه بالحدود المذكورة في الدعوى ، حكم وإلا فلا ، ولو كان العقار مشهورا لا يشتبه ، فلا حاجة للتحديد ، وأما ما يعسر إحضاره كشيء ثقيل ، وما أثبت في الأرض ، أو ركب في الجدار ، وأورث قلعه ضررا ، فيصفه المدعي ، ويحضر القاضي عنده ، أو يبعث من يسمع الشهادة على عينه ، وإن لم يمكن وصفه حضر القاضي عنده ، أو بعث من يسمع الدعوى على عينه ، وذكر الغزالي أن العبد المدعى لو كان يعرفه القاضي حكم به دون الإحضار ، وجعل هذه الصورة كالمستثناة عن صورة وجوب الإحضار . وهذا الذي قاله إن أراد به العبد المعروف بين الناس ، فهو صحيح كما ذكرنا في العقار المعروف والعبد المشهور الغائب عن البلد ، فأما إن اختص القاضي بمعرفته ، فإن كان عالما بصدق المدعي ، وحكم بعلمه تفريعا على جوازه ، فهو قريب أيضا ، وإن حكم بالبينة فالبينة تقوم على الصفة ، فإذا لم يسمع البينة [ بالصفة ] ، وجب أن يمتنع الحكم ومتى أوجبنا الإحضار ، فذلك إذا اعترف المدعى عليه باشتمال يده على مثل تلك العين ، وإن أنكر اشتمال يده على غير تلك الصفة ، صدق بيمينه ، فإن حلف كان للمدعي أن يدعي عليه القيمة ، لاحتمال أنها هلكت ذكره البغوي وغيره .

                                                                                                                                                                        وإن نكل وحلف المدعي [ ص: 192 ] أو أقام بينة حين أنكر ، كلف إحضارها وحبس ، ولا يطلق إلا بالإحضار ، أو بأن يدعي التلف ، فتؤخذ منه القيمة ، وتقبل منه دعوى التلف ، وإن كانت خلاف قوله الأول للضرورة ، وقيل : لا يطلق إلا بالإحضار ، أو بينة التلف ، فإن لم يدر المدعي أن العين باقية ليطالب بها ، أو تالفة ليطالب بقيمتها فادعى على التردد ، وقال : غصب مني كذا ، فإن كان باقيا ، فعليه رده ، وإن كان تالفا ، فقيمته ، فوجهان أحدهما : لا يسمع دعواه ، لعدم الجزم ، بل يدعي العين ، ويحلف عليها ، ثم ينشئ دعوى القيمة ، ويحلف عليها ، وأصحهما وعليه عمل القضاء : يسمع للحاجة فيه ، وعلى هذا يحلف أنه لا يلزمه رد العين ، ولا قيمتها ، ويجري الوجهان فيما لو سلم ثوبا إلى دلال ليبيعه فطالبه به ، فجحد ، فلم يدر صاحب الثوب أباعه فيطالبه بالثمن ، أم تلف فيطالبه بالقيمة ، أم هو باق ليطالبه بالعين ؟ فعلى الأول يدعي العين في دعوى ، والقيمة في أخرى ، والثمن في أخرى ، وعلى الثاني يدعي أن عليه رد الثوب أو ثمنه أو قيمته ، ويحلف الخصم يمينا واحدة أنه لا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته ، ولو شهدوا أنه غصب منه عبدا بصفة كذا ، فمات العبد استحق بتلك الشهادة قيمته على تلك الصفة .

                                                                                                                                                                        وجميع ما ذكرنا فيما إذا كان الخصم حاضرا ، فإن كان غائبا والمال في البلد ، كما وصفنا أحضر مجلس الحكم أيضا ، وأخذ ممن في يده ليشهد الشهود على عينه .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية