الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الأدب الثالث : يرتب القاضي بعد المذكورات أمر الكتاب والمزكين والمترجمين ، أما الكتاب فللحاجة إلى كتابة المحاضر والسجلات ، والكتب الحكمية ؛ لأن القاضي لا يتفرغ لها غالبا .

                                                                                                                                                                        ويشترط في الكاتب أن يكون عارفا بما يكتبه من المحاضر وغيرها ، وأن يكون مسلما عدلا . وفي " المهذب " وجه أن الإسلام والعدالة ليسا بشرط بل مستحبان ؛ لأن القاضي لا يمضي ما كتبه حتى يقف عليه ، وليس بشيء . ويستحب أن يكون فقيها وافر العقل ، عفيفا عن الأطماع ، جيد الخط ، [ ص: 136 ] ضابطا للحروف ، وأن يجلسه القاضي بين يديه ليملي عليه ، ويشاهد ما يكتبه .

                                                                                                                                                                        وأما المزكون فسيأتي فيهم فصل مفرد إن شاء الله تعالى . وأما المترجمون ، فللحاجة إلى معرفة كلام من لا يعرف القاضي لغته من خصم أو شاهد ، ويشترط في المترجم التكليف والحرية والعدالة ؛ لأنه ينقل إلى القاضي قولا لا يعرفه ، فأشبه الشاهد والمزكي بخلاف الكاتب ، ولهذه العلة شرطنا العدد فيه وفي المزكي .

                                                                                                                                                                        قال الأصحاب : فإن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين ، قبلت الترجمة من رجلين أو من رجل وامرأتين ، وانفرد الإمام باشتراط رجلين ، واختاره البغوي لنفسه . وأما النكاح والعتق وسائر ما لا يثبت إلا برجلين ، فيشترط في ترجمته رجلان ، وفي الزنا هل يكفي رجلان أم يشترط أربعة ؟ قولان كالشهادة على الإقرار بالزنا ، وقيل : يكفي رجلان قطعا ، ولو كان الشاهدان أعجميين فهل يكفي لهما مترجمان أم يشترط لكل مترجمان ؟ قولان كشهود الفرع ، وبالأول قطع العبادي في " الرقم " ، ويجوز أن يكون المترجم أعمى على الأصح ؛ لأنه يفسر اللفظ ، ولا يحتاج إلى معاينة وإشارة بخلاف الشهادة ، وإذا كان بالقاضي صمم واحتاج إلى من يسمعه فثلاثة أوجه أصحها : يشترط العدد كالمترجم ، والثاني : لا ؛ لأن المسمع لو غير أنكر عليه الخصم ، والحاضرون بخلاف المترجم .

                                                                                                                                                                        والثالث : إن كان الخصمان أصمين ، اشترط ؛ لأن غيرهما لا يعتني اعتناءهما ، وإن كانا سميعين ، فلا . فأما إسماع الخصم ما يقوله القاضي ، وما يقوله الخصم ، فحكى الروياني عن القفال ، أنه لا يشترط فيه العدد ، وإذا شرطنا العدد . اشترط لفظ الشهادة على الأصح ، فيقول : أشهد أنه يقول كذا ، ومن منع ، قال : ليست بشهادة محققة ، وإذا لم يشترط العدد ، اشترطت الحرية على الأصح ، كهلال رمضان ، [ ص: 137 ] ولا يسلك به مسلك الروايات وليجري الخلاف في لفظ الشهادة والحرية مع بعده من المترجم ، ويشبه أن يكون الاكتفاء بإسماع رجل وامرأتين في المال على ما ذكرنا في المترجم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا لم يجد القاضي كفاية ، فله أن يأخذ رزقا من بيت المال ليتفرغ للقضاء ، وإن وجدها وتعين عليه ، لم يجز أخذ شيء ، وإلا فيجوز . ويستحب ترك الأخذ ، ولا يجوز عقد الإجارة على القضاء ، وفي فتاوى القاضي حسين وجه أنه يجوز ، والمذهب : الأول وبه قطع الجمهور ، وينبغي للإمام أن يجعل من بيت المال شيئا مع رزق القاضي لثمن ورق المحاضر والسجلات ، ولأجرة الكاتب ، فإن لم يكن في بيت المال شيء أو احتيج إليه لما هو أهم ، فإن أتى المدعي بورقة تثبت فيها خصومته وشهادة الشهود ، وبأجرة الكاتب ، فذاك ، وإلا فلا يجبر عليه ، لكن يعلمه القاضي أنه إذا لم يثبت ما جرى ، فقد تنسى شهادة الشهود وحكم نفسه . وليكن رزق القاضي بقدر كفايته وكفاية عياله على ما يليق بحالهم من النفقة والكسوة وغيرهما ، وكذا الإمام يأخذ لنفسه ما يليق به من الخيل والغلمان ، والدار الواسعة ، ولا يلزمه الاقتصار على ما اقتصر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم - لأنه قد بعد العهد بزمن النبوة التي كانت سبب النصر وإلقاء الرعب والهيبة في القلوب ، فلو اقتصر الإمام اليوم على ذلك ، لم يطع ، وتعطلت الأمور . ولو رزق الإمام القاضي من مال نفسه ، أو رزقه أهل ولايته ، أو واحد منهم فالذي خرجه صاحب " التلخيص " أنه لا يجوز له قبوله ، وقد سبق في الأذان أنه يجوز أن يكون رزق المؤذن [ ص: 138 ] من مال الإمام ، أو أحد الرعية ، ويجوز أن يفرق بأن ذلك لا يورث تهمة وميلا في المؤذن بخلاف القاضي ، وكما يرزق الإمام القاضي من بيت المال يرزق أيضا من يرجع مصلحة عمله إلى عامة المسلمين كالأمير والمفتي والمحتسب ، وإمام الصلاة والمؤذن ، ومن يعلم الناس القرآن ، ومن يقيم الحدود ، والقاسم ، وكاتب الصكوك ، فإن لم يكن في بيت المال شيء ، لم يعين قاسما ولا كاتبا لئلا يغالي بالأجرة وألحق بهؤلاء المقوم ، وفي المترجم وجهان ، أصحهما : يرزق من بيت المال كهؤلاء ، والثاني : لا ، كالوكيل . قاله ابن القاص وأبو زيد ، وعلى هذا فمؤنة ما يترجم به للمدعى عليه على المدعى عليه ، والمسمع كالمترجم ، ففي مؤنته الوجهان ، وهما جاريان في المزكي ، والقول في الشاهد يأتي في الشهادات إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية