الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 480 ] ( 12 ) باب من لا ميراث له

22865 - قال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا ، الذي لا اختلاف فيه والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا أن ابن الأخ للأم ، والجد أبا الأم ، والعم أخا الأب للأم ، والخال والجدة أم أبي الأم ، وابنة الأخ للأب والأم ، والعمة ، والخالة ; لا يرثون بأرحامهم شيئا .

22866 - قال : وإنه لا ترث امرأة ، هي أبعد نسبا من المتوفى ، ممن سمي في هذا الكتاب ، برحمها شيئا ، وإنه لا يرث أحد من النساء شيئا ، إلا حيث سمين وإنما ذكر الله تبارك وتعالى في كتابه : ميراث الأم من ولدها ، وميراث البنات من أبيهن ، وميراث الزوجة من زوجها وميراث الأخوات للأب والأم ، وميراث الأخوات للأب ، وميراث الأخوات للأم . وورثت الجدة بالذي جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها . والمرأة ترث من أعتقت هي نفسها ، لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه فإخوانكم في الدين ومواليكم [ الأحزاب : 5 ] .

التالي السابق


22867 - قال أبو عمر : هذا كله كما ذكره في هذا الباب مذهب زيد بن ثابت ، وإليه ذهب مالك ، والشافعي ، وفقهاء الحجاز أكثرهم ، من التابعين ، ومن بعدهم منهم الفقهاء السبعة المدنيون ، وأبو سلمة وسالم ، وابن شهاب وربيعة وأبو الزناد ، وعطاء وعمران بن دينار ، وابن جريج ، وسيأتي ذكر [ ص: 481 ] ميراث الولاء - إن شاء الله تعالى في موضعه .

22868 - وترتيب مذهب زيد في هذا الباب أنه لا يرث بنو البنات ، ولا بنو الأخوات من قبل من كن ، ولا ترث عنده بنات الإخوة بحال أيضا ، ولا بنات الأعمام بحال من الأحوال : ولا يرث العم أخو الأب لأمه ، ولا بنو الإخوة للأم ، ولا العمات ، ولا الأخوال ، ولا الخالات ، فهؤلاء كلهم ، وأولادهم ، ومن علا منهم مثل عمة الأب ، وخالة الجد ، لا يرثون ، ولا يحجبون عند زيد ، وكذلك الجد أبو الأم ، والجدة أم أبي الأم .

22869 - وبهذا كله قال مالك ، والشافعي ، وجماعة .

22870 - وأما سائر الصحابة ، فإنهم يورثون ذوي الأرحام كلهم من كانوا .

22871 - وبهذا قال فقهاء أهل العراق ، والكوفة ، والبصرة ، وجماعة العلماء في سائر الآفاق ، إلا أن بينهم في ذلك اختلافا نذكره : 22872 - فأما علي - رضي الله عنه - فقال إبراهيم النخعي : كان عمر ، وعبد الله ، وعلي يورثون ذوي الأرحام دون الموالي ، قال : وكان علي أشدهم في ذلك .

22873 - وروى الحكم بن عيينة ، عن علي توريث ذوي الأرحام : العمات والخالات ، والخال ، وبنت البنت ، وبنت الأخ ، ونحو ذلك من ذوي الأرحام .

[ ص: 482 ] 22874 - وهو قول ابن مسعود .

22875 - وبه قال الكوفيون : شريح القاضي ، ومسروق وعلقمة ، والأسود بن يزيد ، وعبيدة السلماني وطاوس ، والشعبي ، وإبراهيم النخعي ، وحماد بن أبي سليمان ، والأعمش ، ومغيرة الضبي ، وابن أبي ليلى والثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، وشريك ، والحسن بن صالح ، ومحمد بن سالم ، وحمزة الزيات ، ونوح بن دراج ، ويحيى بن آدم ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، ونعيم بن حماد .

22876 - وهو قول عمر بن عبد العزيز .

22877 - وبه قال البصريون : الحسن ، وابن سيرين ، وحماد ، وجابر بن زيد . 22878 - وروي عن ابن عباس القولان جميعا : قول زيد والحجازيين ، وقول علي ، وعبد الله ، والعراقيين .

22879 - واختلف المورثون لذوي الأرحام في كيفية توريثهم : 22880 - فذهب أبو حنيفة ، وأصحابه إلى توريثهم على ترتيب العصبات فإن لم تكن عصبة ، فولي النعمة هو العصبة ثم .

22881 - وكذلك عصبة المعتق ، ثم ذوي الأرحام .

22882 - وقد تقدم قول علي ، ومن تابعه في توريث ذوي الأرحام دون الموالي .

[ ص: 483 ] 22883 - وروي ذلك عن عبد الله .

22884 - ذكر سفيان ، عن الأعمش ، قال : ماتت مولاة إبراهيم ، فأتته امرأة ذات قرابة لها بميراثها ، فلم يقبله ، وقال : هو لك ، فجعلت تدعو له ، فقال لها : أما إنه لو كان لي ما أعطيتكه .

22885 - وكان يرى أن ذوي الأرحام أولى من الموالي .

22886 - قال سفيان : كان إبراهيم يقول في ذلك بقول عبد الله " الرحم أولى من الموالي " .

22887 - وذهب سائر من ورث ذوي الأرحام من العلماء إلى التنزيل ، وهو أن ينزل كل واحد ، وينزل من أدلى بذي سهم أو عصبة بمنزلة الذي يدلي به .

22888 - وهو ظاهر ما روي عن علي ، وعبد الله ، وعمر في العمة ، والخالة .

22889 - وقال عبد الله بن مسعود : الأم عصبة من لا عصبة له ، والأخت عصبة من لا عصبة له .

22890 - رواه الأعمش ، عن إبراهيم ، عنه .

[ ص: 484 ] 22891 - ومن حجة من ورث ذوي الأرحام قول الله - عز وجل - وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله [ الأنفال : 75 ] وقوله : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر [ النساء : 7 ] .

22892 - ومعلوم أن ذوي الأرحام من الأقربين ، فوجب لهم نصيبهم ، لا يحجبهم عنه إلا من هو أولى منهم .

22893 - واحتجوا بآثار كثيرة كلها ضعيفة ، ومحتملة للتأويل ، لا تلزم بها حجة ، قد ذكرنا كثيرا منها في كتاب " الإشراف على ما في أصول فرائض المواريث من الإجماع والاختلاف " ، والحمد لله .

22894 - ومن حجتهم أن ذوي الأرحام قد اجتمع فيهم سببان : القرابة ، والإسلام ، فكانوا أولى من جماعة المسلمين ، الذين لهم سبب واحد ، وهو الإسلام .

22895 - وهذا أصل المواريث عند الجميع صاحب السببين ، فالمدلى بالأب والأم أولى من الذي لا يدلى إلا بالأب وحده ، فكذلك الرحم والإسلام أولى من بيت المال ; لأنه سبب واحد .

22896 - وقاسوا ابنة الابنة على الجدة أم الأم التي وردت السنة بتوريثها .

22897 - ومن حجة من لم يورث ذوي الأرحام أنهم قالوا في قول الله - عز وجل - وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله [ الأنفال : 75 ] إنما عنى الله بهذه الآية ذوي الأرحام الذين ذكرهم في كتابه ، ونسخ بهم الموارثة بالهجرة [ ص: 485 ] والحلف ، ونسخت قوله تعالى والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا [ الأنفال : 72 ] فالآية عندهم على الخصوص فيمن ذكر الله من ذوي الأرحام ، وهم أصحاب الفروض في كتاب الله تعالى ، والعصبات الذين نسخ بهم الميراث بالمعاقدة ، والحلف ، والهجرة .

22898 - ولما قال رسول الله : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، ولا وصية لوارث " ، دل على أن ذوي الأرحام المذكورين في الكتاب هم الذين ذكر الله ميراثهم في كتابه .

22899 - ومما قال أبو بكر ، وعمر للجدة : ما لك في كتاب الله عز وجل ، على أن الذين يرثون هم الذين ذكر الله في كتابه ، ونسخ بهم الموارثة بالهجرة .

22900 - ولما لم ترث ابنة الأخ مع أخيها لم ترث وحدها ، ولما لم يرث ذوو الأرحام مع الموالي لم يرثوا إذا انفردوا قياسا على المماليك .

22901 - قال أبو عمر : هذا ما احتج أصحاب مالك ، والشافعي ، وكثير منه لا يلزم ; لأن أكثر من ورث ذوي الأرحام ورثهم دون الموالي ، وحجب الموالي [ ص: 486 ] بهم ، وقياسهم على المماليك والكفار عين المحال .

22902 - وقد تقصينا احتجاج الفريقين في كتاب " الإشراف على ما في أصول فرائض المواريث من الإجماع والاختلاف " والحمد لله .

22903 - وأما اختلاف العلماء من السلف ، والخلف في الرد .

22904 - فإن زيد بن ثابت وحده من بين الصحابة - رضي الله عنهم - كان يجعل الفاضل عن ذوي الفروض - إذا لم تكن عصبة - لبيت مال المسلمين .

22905 - وبه قال مالك ، والشافعي .

22906 - وروي عن عمر ، وابن عباس ، وابن عمر مثل قول زيد في المال الفائض عن ذوي الفروض ولا يثبت ذلك عن واحد منهم .

22907 - وسائر الصحابة يقولون بالرد ، إلا أنهم اختلفوا في كيفية ذلك ، واجمعوا أن لا يرد على زوج ، ولا زوجة ، إلا شيء روي عن عثمان لا يصح ، ولعل ذلك الزوج أن يكون عصبة .

22908 - وقد ذكرنا اختلاف الصحابة فيمن لا يرد عليه من ذوي السهام ، [ ص: 487 ] والعصبات ، ومن يرد عليه منهم عند من يذهب إلى الرد على ذوي الفروض دون بيت المال عند عدم العصبة في كتاب " الإشراف " ، وفقهاء العراقيين من الكوفيين والبصريين كلهم يقولون بالرد على ذوي الفروض على قدر سهامهم ; لأن قرابة الدين والنسب أولى من قرابة الدين وحده ، وبالله التوفيق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث