الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية

فإن قيل: نحن نشاهد حركة الفلك؛ فامتنع أن يقال: لم يزل ساكنا. [ ص: 6 ]

قيل: أولا: ليس الكلام في حدوث الفلك بعينه، بل في حدوث كل جسم، فإذا قدر جسم أزلي ساكن غير الفلك لم يكن فيما ذكره ولا في حركة الفلك دليل على حدوثه، لا سيما عند من يقول: القديم الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا، كما يقوله كثير من النظار من الهشامية والكرامية وغيرهم.

وقيل: ثانيا: الفلك -وإن كان متحركا- فحيزه واحد لم يخرج عن ذلك الحيز، وحركته وضعية ليست حركة مكانية تتضمن نقله من حيز إلى حيز. وحينئذ فقوله: "وقد ثبت جواز الحركة" إن أراد به الحركة المكانية كان ممنوعا، وإن أراد غيرها كالحركة الوضعية لم يلزم من ذلك جواز انتقاله من هذا الحيز إلى غيره.

وقد سبق الآمدي إلى هذا الاعتراض، فإنه قال في الاعتراض على المقدمة الأولى: "الأزل ليس هو عبارة عن زمان مخصوص ووقت مقدر حتى يقال بحصول الجسم في الحيز فيه، بل الأزل لا معنى له غير كون الشيء لا أول له، والأزل على هذا يكون صادقا على ذلك الشيء في كل وقت يفرض كون ذلك الشيء فيه. فقول القائل: "الجسم في الأزل موصوف بكذا" أي في حالة كونه متصفا بالأزلية. وما من وقت يفرض ذلك الجسم فيه إلا وهو موصوف بالأزلية. وأي وقت قدر حصول ذلك الجسم فيه وهو في حيز معين لم [ ص: 7 ] يلزم أن يكون حصوله في ذلك الحيز المعين أزليا، لأن نسبة حصوله في ذلك الحيز المعين كنسبة حصوله في ذلك الوقت المعين. وما لزم من كون الجسم الأزلي لا يخلو عن وقت معين أن يكون كونه في الوقت المعين أزليا، فكذلك الحصول في الحيز المعين". قال: "وفيه دقة مع ظهوره".

قلت: ويوضح فساد هذه الحجة أن قوله: "كل جسم يجب اختصاصه بحيز معين، لأن كل موجود مشار إليه حسا بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك" يجاب عنه بأن يقال: أتريد به أنه يجب اختصاصه بحيز معين مطلقا، أو يجب اختصاصه بحيز معين حين الإشارة إليه؟ أما الأول فباطل؛ فليس كل مشار إليه إشارة حسية يجب اختصاصه دائما بحيز معين، فإنه ما من جسم إلا وهو يقبل الإشارة الحسية، مع العلم بأنا نشاهد كثيرا من الأجسام تتحول عن أحيازها وأمكنتها.

فإن قال: "بل يجب أن يكون حين الإشارة إليه له حيز معين" فهذا حق، لكن الإشارة إليه ممكنة في كل وقت، فالاختصاص بمعين يجب أن يكون في كل وقت. أما كونه في كل الأوقات لا يكون إلا في ذلك المعين لا في غيره فلا، والأزلي: هو الذي لم يزل، فليس بعض الأوقات أخص به من بعض حتى يقال: يكون في ذلك الوقت [ ص: 8 ] المعين في حيز معين، بل يجوز أن يكون في وقت في هذا الحيز وفي وقت آخر في حيز آخر. وتمام ذلك ما تقدم ذكره من أن الأزل ليس شيئا معينا حتى يطلب له حيز معين، بل هو عبارة عن عدم الأول.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث