الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إيراد أحد المتكلمين الدليل على وجه آخر

وقد اعترض المستدل بهذا على ما ذكره الآمدي والأرموي في الوجه الأول.

قال: فإن قلت: الأزلي الحركة الكلية، بمعنى أن كل فرد منها مسبوق بالآخر، لا إلى أول، لا أفرادها الموجودة التي تقتضي المسبوقة بالغير.

ثم قال: قلت: فحينئذ ما هو المحكوم عليه بالأزلي غير موجود في الخارج، لامتناع وجود الحركة الكلية في الخارج، وما هو موجود منها في الخارج فهو ليس بأزلي.

ولقائل أن يقول: هذا غلط نشأ من الإجمال الذي في لفظ الكلي. وذلك أنه إنما يمتنع وجود الكلي في الخارج مطلقا، إذا كان مجردا عن أفراده، كوجود إنسان مطلق، وحيوان مطلق، وحركة مطلقة، لا تختص بمتحرك. ولا بجهة ولون مطلق، لا يكون أبيض ولا أسود، ولا غير ذلك من الألوان المعينة. فإذا قدر حركة مطلقة لا تختص بمتحرك معين كان وجودها في الخارج ممتنعا. وأما الحركات المتعاقبة، فوجود الكلي فيها هو وجود تلك الأفراد، كما إذا وجد عدة أناسي فوجود [ ص: 39 ] الإنسان الكلي هو وجود أشخاصه، ولا يحتاج أن يثبت للكلي في الخارج وجودا غير وجود أشخاصه، بل نفس وجود أشخاصه هو وجوده.

ومعلوم إنه إذا أريد بوجود الكلي في الخارج وجود أشخاصه لا ينازع فيه أحد من العقلاء، وإن كانوا قد يتنازعون في أن الكلي المطلق لا بشرط، وهو الطبيعي: هل هو موجود في الخارج، أم لا؟ وحينئذ فمرادهم بوجود الحركة الكلية في الخارج هو وجود أفرادها المتعاقبة شيئا بعد شيء، فكل فرد مسبوق بالغير، وليس هذا الجنس المتعاقب الذي يوجد بعضه شيئا فشيئا بمسبوق بالغير.

وإن شئت قلت: لا نسلم أن الكلي لا يوجد في الخارج، ولكن نسلم أنه لا يوجد في الخارج كليا، وهذا هو الكلي الطبيعي، وهو المطلق لا بشرط، كمسمى الإنسان لا بشرط، فإنه يوجد في الخارج، لكن معينا مشخصا، وتوجد أفراده إما مجتمعة وإما متعاقبة، كتعاقب الحوادث المستقبلة، فوجود الحركات المعينة كوجود سائر الأشياء المعينة، ووجود مسمى الحركة كوجود سائر المسميات الكلية، والمحكوم عليه بالأزلية هو النوع الذي لا يوجد إلا شيئا فشيئا، لا يوجد مجتمعا.

فإن قال القائل: "مسمى الحركة ليس بموجود في الخارج على وجه الاجتماع، كما يوجد من أفراد الإنسان" فقد صدق، وإن قال: "إنه لا يوجد شيئا فشيئا" فهذا ممنوع. ومن قال ذلك لزمه أن لا يوجد في الخارج حركة أصلا، لا متناهية ولا غير متناهية، وهذا مخالف للحس والعقل. وقد تفطن ابن سينا لهذا الموضع، وتكلم في وجود الحركة [ ص: 40 ] بكلام له، وقد نقله عنه الرازي وغيره، وقد تكلمنا عليه وبينا فساده فيما سيأتي إن شاء الله.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث