الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقوال الناس في مقارنة المعلول لعلته الثانية

والقول الثالث: أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره عقبه، لا معه في الزمان، ولا متراخيا عنه، كما قال تعالى: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [سورة النحل: 40] وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب، لأنه مسبوق بوجود التأثير، ليس زمنه زمن التأثير، والقادر المريد يستلزم مع وجود القدرة والإرادة وجود المقدور المراد، والقدرة والإرادة حاصلان قبل المقدور المراد، ومع وجود المقدور المراد هما مستلزمان له، وهذا قول أكثر أهل الإثبات.

وعلى هذا فيجب الفرق بين وجود العلة والفاعل والمؤثر عند وجود الأثر في الزمان، فإن هذا لا بد منه، وبين وجود العلة التي هي الفعل والتأثير في الزمان، فإن هذا هو الذي يتعقبه المفعول المعلول، الذي هو الأثر.

ومن الناس من فرق بين تأثير القادر المختار، وتأثير العلة الموجبة، فزعم أن الأول لا يكون إلا مع تراخي الأثر، والثاني لا يكون إلا مع مقارنة الأثر للمؤثر. [ ص: 65 ]

وهذا أيضا غلط، فإن الأدلة الدالة توجب التسوية لو قدر أنه يمكن أن يكون المؤثر غير قادر مختار، فكيف إذا كان ذلك ممتنعا؟.

وكون المعلول والمفعول لا يكون مفعولا معلولا إلا بعد عدمه هو من القضايا الضرورية التي اتفق عليها عامة العقلاء من الأولين والآخرين، وكل هؤلاء يقولون: ما كان معلولا يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثا مسبوقا بالعدم.

وممن قال ذلك أرسطو وأتباعه، حتى ابن سينا وأمثاله صرحوا بذلك. لكن ابن سينا تناقض مع ذلك، فزعم أن الفلك هو قديم أزلي، مع كونه ممكنا يقبل الوجود والعدم. وهذا مخالف لما صرح به هو، وصرح به أئمته وسائر العقلاء، وهو مما أنكره عليه ابن رشد الحفيد، وبين أن هذا مخالف لما صرح به أرسطو وسائر الفلاسفة، وأن هذا لم يقله أحد قبله.

وأرسطو لم يكن يقسم الوجود إلى واجب وممكن، ولا يقول: إن الأول موجب بذاته للعالم، بل هذا قول ابن سينا وأمثاله، وهو - وإن كان أقرب إلى الحق مع فساده وتناقضه - فليس هو قول سلفه، بل قول أرسطو وأتباعه: إن الأول إنما افتقر إليه الفلك لكونه يتحرك للتشبه به، لا لكون الأول علة فاعلة له.

وحقيقة قول أرسطو وأتباعه: أن ما كان واجب الوجود فإنه [ ص: 66 ] يكون مفتقرا إلى غيره، فيكون جسما مركبا حاملا للأعراض، فإن الفلك عندهم واجب بذاته، وهو كذلك، كما قد بسط كلامهم والرد عليهم في غير هذا الموضع، وبين ما وقع من الغلط في نقل مذاهبهم، وأن أتباعهم صاروا يحسنون مذاهبهم، فمنهم من يجعل الأول محدثا للحركة بالأمر، وليس هذا قولهم، فإن الأول عندهم لا شعور له بحركة ولا إرادة، وإنما الفلك يتحرك عندهم للتشبه به، فهو يحركه كتحريك الإمام للمؤتم به، أو المعشوق لعاشقه، لا تحريك الآمر لمأموره، كما يزعمه ابن رشد وغيره.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث