الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية

وقوله: (لأن المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات فمحله لا بد أن يكون له ذهاب في الجهات) .

يقال له: محل الامتداد في الجهات هو الممتد في الجهات، كما أن محل التحيز هو المتحيز، ومحل الطول والعرض والعمق هو الطويل [ ص: 80 ] العريض العميق، ومحل المقدار هو المقدر، وكذلك محل الحياة والعلم والقدرة هو الحي العليم القدير، وكذلك محل السواد والبياض هو الأسود والأبيض. وهذا في كل ما يوصف بصفة، فمحل الصفة هو الموصوف، وهكذا جميع مسميات المصادر وغيرها من الأعراض محلها الأعيان القائمة بنفسها، فإذا كانت الجسمية هي الامتداد في الجهات التي هي الطول والعرض والعمق مثلا، كان محلها هو الشيء الممتد في الجهات الذي هو الطويل العريض العميق، وحينئذ فمحلها له اختصاص بالحيز، ويكون ذلك المعروض للجسمية الذي هو محل لها الممتد في الجهات هو المقتضي لاختصاصه بما اختص به من الصفات اللازمة، وهو مستلزم لذلك، كما هو مستلزم للامتداد في الجهات، فجنس الجسم مستلزم لجنس الامتداد، وجنس الأعراض والصفات، فالجسم المعين هو مستلزم للامتداد المعين في الجهات المعينة، ومستلزم للصفات المعينة التي يقال: إنها لازمة له، حتى إنه متى قدر عدم تلك اللوازم فقد تبطل حقيقته، فالموجب لها هو الموجب لحقيقته، وهذا مطرد في كل ما يقدر من المواصفات المستلزمة لصفاتها، كالحيوانية والناطقية للإنسان، وكذلك الاغتذاء والنمو للحيوان والنبات مثلا، فإن كون النبات ناميا متغذيا هو صفة لازمة له، لا لعموم كونه جسما، ولا لسبب غير حقيقته التي يختص بها، بل حقيقته مستلزمة [ ص: 81 ] لنموه واغتذائه، وهذه الصفات أقرب إلى أن تكون داخلة في حقيقته من كونه ممتدا في الجهات، وإن كان ذلك أيضا لازما له، فإنا نعلم أن النار والثلج والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك وغير ذلك كلها مشتركة في أنها متحيزة ممتدة في الجهات، كما أنها مشتركة في أنها موصوفة بصفات قائمة بها، وفي أنها حاملة لتلك الصفات، وما به افترقت وامتاز بعضها عن بعض أعظم مما فيه اشتركت، فالصفات الفارقة بينها الموجبة لاختلافها ومباينة بعضها لبعض أعظم مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض، فمن يقول بتماثل الجواهر والأجسام يقول: إن الحقيقة هي ما اشتركت فيه من التحيزية والمقدارية وتوابعها، وسائر الصفات عارضة لها، تفتقر إلى سبب غير الذات.

ومن يقول باختلافها يقول: بل المقدارية للجسم والتحيزية للمتحيز، كالموصوفية للموصوف، واللونية للملون، والعرضية للعرض، والقيام بالنفس للقائمات بأنفسها، ونحو ذلك، ومعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه: لم يكن أحدهما مثلا للآخر، وإذا اشتركا في أن هذا لون وهذا لون، وهذا طعم وهذا طعم، وهذا عرض وهذا عرض: لم يكن أحدهما مثلا للآخر، وإذا اشتركا في أن لهذا مقدارا ولهذا مقدارا، [ ص: 82 ] ولهذا حيزا ومكانا ولهذا حيزا ومكانا: كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلهما، لأن الصفة للموصوف أدخل في حقيقته من القدر للمقدر، والمكان للمتمكن، والحيز للمتحيز، فإذا كان اشتراكهما فيما هو أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل، فاشتراكهما فيما هو دونه في ذلك أولى بعدم التماثل. والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع.

والمقصود هنا: التنبيه على مجامع ما أثبتوا به الصانع.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث