الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي : " ولوليها منعها من نكاح المجنون ، كما يمنعها من غير كفء ، فإن قيل : فهل من حكم بينهما فيه الخيار أو الفرقة ؟ قيل : نعم المولى يمتنع من الجماع بيمين لو كانت على غير مأثم كانت طاعة الله أن لا يحنث ، فأرخص له في الحنث بكفارة اليمين ، فإن لم يفعل وجب عليه الطلاق والعلم محيط بأن الضرر بمباشرة الأجذم والأبرص والمجنون والمخبول أكثر منها بترك مباشرة المولى ما لم يحنث " .

قال الماوردي : أما إذا أوصى الولي أن يزوجها بمن فيه أحد هذه العيوب فامتنعت ، فالقول قولها ، وليس للولي إجبارها عليه ، وإن كان أبا : لما فيه من تفويت حقها من الاستمتاع ، ولأنه لو زوجها به لكان لها الفسخ ، فكان أولى أن يكون لها الامتناع قبل العقد ، فأما إذا رضيت بمن فيه أحد هذه العيوب ، وامتنع الولي فالعيوب على ثلاثة أقسام :

أحدهما : ما للولي أن يمنعها من نكاح من هي فيه ، وذلك الجنون والخبل لما فيه من عار على الأولياء فكان لهم دفعه عنهم بالامتناع .

والقسم الثاني : ما ليس للولي منعها من نكاح من هي فيه ، وذلك العنت ، [ ص: 349 ] والجب ، والخصاء : لأنه لاعار فيه على الأولياء ، وإنما يختص بعدم الاستمتاع الذي هو حق لها دون الأولياء .

والقسم الثالث : ما اختلف فيه أصحابنا فيه ، وهو الجذام والبرص ، وفيه وجهان :

أحدهما : ليس للولي منعها من مجذوم ولا أبرص : لاختصاصها بالاستمتاع . وهذا قول أبي إسحاق المروزي .

والوجه الثاني : له منعها منهما لنفور النفوس منهما ، ولتعدي ذلك إلى نسلها فأما إن حدثت هذه العيوب في الزوج بعد العقد ، فالخيار لها دون الأولياء ، فإن رضيت وكره الأولياء كان رضاها أولى ، ولا اعتراض للأولياء : لأن حقهم مختص بطلب الكفاءة في ابتداء العقد دون استدامته .

قال الشافعي ، رحمه الله تعالى : " ولو تزوجها على أنها مسلمة فإذا هي كتابية ، كان له فسخ النكاح بلا نصف مهر ، ولو تزوجها على أنها كتابية فإذا هي مسلمة ، لم يكن له فسخ النكاح : لأنها خير من كتابية ( قال المزني ) رحمه الله : هذا يدل على أن من اشترى أمة على أنها نصرانية فإذا بها مسلمة فليس للمشتري أن يردها ، وإذا اشتراها على أنها مسلمة فوجدها نصرانية فله أن يردها " .

قال الماوردي : قد مضى الكلام في أن خلاف الصفة المشروطة في عقد النكاح ، هل تجري مجرى خلاف العين أم لا ؟ على قولين ، فإذا تزوجها على أنها مسلمة فوجدها نصرانية ، ففي النكاح قولان :

أحدهما : باطل .

والثاني : جائز . نص عليه هاهنا .

وهل له الخيار في فسخ النكاح أم لا ؟ على قولين :

أحدهما : لا خيار له .

والثاني : له الخيار . نص عليه هاهنا .

وهكذا لو تزوجها على أنها نصرانية فكانت مسلمة ، كان على قولين :

أحدهما : باطل .

والثاني : جائز ، ولا خيار له قولا واحدا : لأن المسلمة أعلى حالا من النصرانية .

فأما المزني ، فإنه استدل بذلك على أن من اشترى أمة على أنها مسلمة فكانت نصرانية أن له الخيار ، ولو اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة فليس له خيار كالنكاح ، فرد أصحابنا ذلك عليه ، وقالوا له : في البيع الخيار في الموضعين بخلاف النكاح : لأن المقصود بالبيع وفور الثمن ، والثمن يتوفر بكثرة الطالب ، وطالب النصرانية أكثر من [ ص: 350 ] طالب المسلمة : لأن النصرانية يشتريها المسلمون والنصارى ، والمسلمة لا يشتريها إلا المسلمون دون النصارى ، فإذا اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة كان له الخيار : لأنها أقل طلبا فصارت أقل ثمنا ، ولو اشتراها على أنها مسلمة فكانت نصرانية فله الخيار لنقصها بالدين ، وأن المسلمة أحسن منها عشرة ، وأكثر نظافة وطهارة ، وليس كذلك النكاح : لأن المقصود منه العشرة وحسن الصحبة وكمال المتعة ، وهذا كله في المسلمة أوجد منه في النصرانية ، فافترق حكم البيع والنكاح بما ذكرناه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث