الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام الشهرستاني في نهاية الإقدام عند مناظرته للقائلين بالعلو والمباينة والصفات الفعلية

ثم قال: «وأما الصفات وانحصارها في ثمان، فقد اختلف جواب الأصحاب عنه بوجوه: منها: أنهم منعوا إطلاق لفظ [ ص: 375 ] العدد عليها فضلا عن الثمانية، وقالوا: قد دل الفعل بوقوعه على كون الفاعل قادرا، وباختصاصه ببعض الجائزات على كونه مريدا، وبأحكامه على كونه عالما، وعلم بالضرورة أن القضايا مختلفة، وورد في الشرع إطلاق العلم والقدرة والإرادة، ولا مدلول سوى ما دل الفعل عليه أو ورد في الشرع إطلاقه، ولهذا اقتصرنا على ذلك، فلو سئل: هل يجوز أن يكون له صفة أخرى؟ اختلف الجواب عنه، فقيل: لا يتطرق إليه الجواز، فإنا لم نثبت الصفات إلا بدليل الفعل، والفعل ما دل إلا على تلك، وقيل: يجوز عقلا، إلا أن الشرع لم يرد به، فنتوقف في ذلك، ولا يضر الاعتقاد إذا لم يرد به تكليف».

قال: «ومنها أنهم فرقوا في الشاهد بين الصفات الذاتية التي تلتئم منها حقيقة الشيء، وبين المقادير العرضية التي لا مدخل لها في تحقيق حقيقة الشيء، فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى [ ص: 376 ] الفاعل، بل هي له من غير سبب، والمقادير العرضية تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل. فإن جعلها له بسبب.

ومنها: أنه لو قدر صفة زائدة على الثمان لم يخل إما أن تكون صفة مدح وكمال، أو صفة ذم ونقصان، فإن كان صفة كمال فعدمها في الحال نقص، وإن كان صفة نقص فعدمها واجب، وإذا بطل القسمان تعين أنه لا يتصف بزيادة على الثمانية».

قال: «ويترتب على ما ذكرناه: هل يجوز أن يكون للباري تعالى أخص وصف لا ندركه؟ وفرق بين هذا السؤال والسؤال الأول، فإن السائل الأول سأل: هل يجوز أن تزيد صفاته على الصفات الثمانية؟ والسائل الثاني سأل هل له أخص وصف تميز [ ص: 377 ] به عن المخلوقات؟ واختلف جواب الأصحاب عنه أيضا، فقال بعضهم: ليس له أخص وصف، ولا يجوز أن يكون، لأنه بذاته وصفاته تميز عن ذوات المخلوقات وصفاتها، من حيث إن ذاته لا حد لها زمانا ومكانا، ولا تقبل الانقسام فعلا ووهما، بخلاف ذوات المخلوقات، وصفاته غير متناهية في التعلق بالمتعلقات، ولو كان الغرض أن يتحقق أخص وصف به يقع التميز فقد وقع التميز بما ذكرناه، فلا أخص سوى ما عرفناه. وقال بعضهم: لا، بل له أخص وصف في الإلهة لا ندركه، وذلك أن كل شيئين لهما حقيقتان معقولتان، فإنهما يتمايزان بأخص وصفيهما، وجميع ما ذكرنا من أن لا حد ولا نهاية ولا انقسام للذات ولا تناهي للتعلق في الصفات، كل ذلك سلوب وصفات نفي، وبالنفي لا يتميز الشيء عن الشيء، بل لا بد من صفة إثبات بها يقع التميز، وإلا فترتفع الحقيقة رأسا، ثم إذا ثبت [ ص: 378 ] أخص الوصف فهل يجوز أن يدرك؟ قال إمام الحرمين: لا يجوز أن يدرك أصلا. وقال بعضهم: يجوز أن يدرك. وقال ضرار بن عمرو: يدرك ذلك عند الرؤية بحاسة سادسة، ونفس المسألة من محارات العقول، وتصور الأخص من محارات العقول».

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث