الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 62 ] المسألة الثامنة

ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين في الوضوء في قوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) من أن المراد به الغسل ، وهو في غاية البعد [1] لما فيه من ترك العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من التشريك بين الرءوس والأرجل في المسح من غير ضرورة .

فإن قيل : العطف إنما هو على الوجوه واليدين في أول الآية ، وذلك موجب للتشريك في الغسل ، وبيان ذلك من وجهين : الأول : قوله تعالى ( إلى الكعبين ) قدر المأمور به من الكعبين كما قدر غسل اليدين إلى المرفقين ، ولو كان الواجب هو المسح لما كان مقدرا كمسح الرأس .

الثاني : ما ورد من القراءة بالنصب من قوله تعالى ( وأرجلكم ) وذلك يدل على العطف على الأيدي دون الرءوس .

وأما الكسر فإنما كان بسبب المجاورة ، فإنها موجبة لاستتباع المجاور ، ومنه قول امرئ القيس :


كأن ثبيرا في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل



كسر ( مزمل ) استتباعا لما قبله ، وإلا فحقه أن يكون مرفوعا لكونه وصف ( كبير ) وإن سلمنا أن الأرجل معطوفة على الرءوس غير أنه ليس من شرط العطف الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه ، بل في أصله كما سبق تقريره ، وذلك مما قد وقع الاشتراك فيه ، فإن الغسل والمسح قد اشتركا في أن كل واحد منهما فيه إمساس العضو بالماء ، وإن افترقا في خصوص المسح والغسل ، وذلك كاف في صحة العطف ، ودليله قول الشاعر :


ولقد رأيتك في الوغى     متقلدا سيفا ورمحا



عطف الرمح على التقلد بالسيف ، وإن كان الرمح لا يتقلد ، وإنما يعتقل به ، لاشتراكهما في أصل الحمل

[ ص: 63 ] وكذلك عطف الشاعر الماء على التبن في قوله ( علفتها تبنا وماء باردا ) [2] والماء لا يعلف لاشتراكهما في أصل التناول .

والجواب ، قولهم : إن العطف إنما هو على الأيدي ، فأبعد من كل بعيد لما فيه من ترك العطف على ما يلي المعطوف إلى ما لا يليه .

وأما التقدير بالكعبين فمما لا يمنع من العطف على الرءوس الممسوحة ، وإن لم يكن مسح الرءوس مقدرا في الآية كما عطف الأيدي على الوجوه في حكم الغسل ، وإن كان غسل اليدين مقدرا وغسل الوجوه غير مقدر .

وأما القراءة بالنصب ، فإنما كان ذلك عطفا على الموضع ، وذلك لأن الرءوس في موضع النصب بوقوع الفعل عليها ، غير أنه لما دخل الخافض على الرءوس ، أوجب الكسر ، ومنه قول الشاعر :


معاوي إننا بشر فأسجح     فلسنا بالجبال ولا الحديدا



عطف ( الحديد ) على موضع ( الجبال ) إذ هي في موضع نصب ، غير أنها خفضت بدخول الجار عليها .

قولهم : إن الكسر بسبب المجاورة إنما يصح إذا لم يكن بين المتجاورين فاصل كما ذكروه من الشعر ، وأما إذا فصل بينهما حرف العطف فلا .

وإن سلمنا جوازه ، غير أنه مما لا يتحمل إلا لضرورة الشعر فلا ينتهض موجبا لاتباعه ، وترك ما أوجبه العطف .

ومثل ذلك ، وإن ورد في النثر كما في قولهم ( جحر ضب خرب وماء شن بارد ) فمن النوادر الشاذة التي لا يقاس عليها .

قولهم : إن العطف وإن وقع على الرءوس ، فذلك غير موجب للاشتراك في تفاصيل حكم المعطوف عليه .

قلنا : هذا هو الأصل ، وإنما يصار إلى خلافه لدليل ، ولا دليل ، وإنما ذكرنا هذه النبذة من مسائل التأويلات لتدرب المبتدئين بالنظر في أمثالها .

وبالجملة ، فالمتبع في ذلك إنما هو نظر المجتهد في كل مسألة فعليه اتباع ما أوجبه ظنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث