الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          القسم الثاني : أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في خصوص [ ص: 283 ] الحكم من غير أن يظهر اعتبار عينه في جنس ذلك الحكم في أصل آخر متفق عليه ، ولا جنسه في عين ذلك الحكم ولا جنسه في جنسه ، ولا دل على كونه علة نص ، ولا إجماع لا بصريحه ولا إيمائه .

          وذلك كمعنى الإسكار فإنه يناسب تحريم تناول النبيذ ، وقد ثبت اعتبار عينه في عين التحريم في الخمر ، ولم يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم ولا جنسه في عينه ولا جنسه في جنسه ولا إجماع عليه ، فلو قدرنا انتفاء النصوص الدالة على كون الإسكار علة فلا يكون معتبرا بنص أيضا ، وهذا هو المناسب الغريب ، وهو مختلف فيه بين القياسين وقد أنكره بعضهم ، وإنكاره غير متجه لأنه يفيد الظن بالتعليل .

          ولهذا فإنا إذا رأينا شخصا قابل الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة مع أنه لم يعهد من حاله قبل ذلك شيء فيما يرجع إلى المكافأة وعدمها ، غلب على الظن ما رتب الحكم عليه .

          والذي يؤيد ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون الحكم قد ثبت لعلة أو لا لعلة .

          فإن كان لا لعلة فهو بعيد ; لما سبق تقريره من امتناع خلو الأحكام عن العلل .

          وإن كان لعلة فإما أن يكون لما لم يظهر ، أو لما ظهر . الأول ويلزم منه التعبد وهو بعيد على ما عرف ، والثاني هو المطلوب .

          فإن قيل : الفرق بين ما نحن فيه وبين صورة الاستشهاد أنا قد ألفنا من تصرفات العقلاء مقابلة الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة ، فكان ذلك من قبيل القسم الأول ، وهو الملائم المتفق عليه لا من قبيل القسم الثاني وهو الغريب المختلف فيه .

          قلنا : نحن إنما نفرض الكلام في شخص لم يعهد من حاله قبل ذلك الفعل موافقة ولا مخالفة ، فلا يكون من الملائم المتفق عليه ولا من الملغى ، ومع ذلك فإن التعليل يظهر من فعله لكل عاقل نظرا إلى أن الغالب إنما هو غلبة طبيعة المكافأة بالانتقام والإحسان في حق العاقل ، كما أن الغالب من الشارع اعتبار المناسبات دون إلغائها . وليس هذا من القسم الأول في شيء ; لأن القسم الأول مفروض فيما علم من الشارع اعتبار العين في العين فيه والجنس في الجنس ، والفرق بين الأمرين ظاهر .

          القسم الثالث : أن يكون الشارع قد اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم لا غير ، أي أنه لم يعتبر مع ذلك عينه في عينه ولا عينه في جنسه ولا جنسه في عينه [ ص: 284 ] ولا دل عليه نص ولا إجماع ، وهذا أيضا من جنس المناسب الغريب المختلف فيه بين القياسيين ، إلا أنه دون القسم الثاني .

          وذلك لأن الظن الحاصل باعتبار الخصوص في الخصوص لكثرة ما به الاشتراك أقوى من الظن الحاصل من اعتبار العموم في العموم ، وذلك كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف ، فإن عين مشقة الحائض ليست عين مشقة المسافر بل من جنسها ، وعين التخفيف عن المسافر بإسقاط الركعتين الزائدتين ليس عين التخفيف عن الحائض بإسقاط أصل الصلاة بل من جنسها .

          واعلم أن الوصف المعلل به وكذلك الحكم المعلل له أجناس :

          منها ما هو عال ليس فوقه ما هو أعلى منه .

          ومنها ما هو قريب إليه ليس بينه وبينه واسطة .

          ومنها ما هو متوسط بين الطرفين إما على السواء أو أنه إلى أحد الطرفين أقرب من الآخر .

          فأما الجنس العالي للحكم الخاص فكونه حكما ، وأخص منه كونه وجوبا أو تحريما أو غير ذلك من الأحكام .

          وأخص من الوجوب العبادة وغير العبادة ، وأخص من العبادة الصلاة وغير الصلاة ، وأخص من الصلاة الفرض والنفل .

          وأما الجنس العالي للوصف الخاص فكونه وصفا تناط الأحكام به ، وأخص منه كونه مناسبا بحيث يخرج منه الشبهي ، وأخص منه المصلحة الضرورية ، وأخص منه حفظ النفس والعقل .

          وعلى هذا النحو فالظن في هذا القسم مما يزيد وينقص بسبب التفاوت فيما به الاشتراك من الجنس العالي والمتوسط .

          فما كان الاشتراك فيه بالجنس السافل فهو أغلب على الظن ، وما كان الاشتراك فيه بالأعم فهو أبعد ، وما كان بالمتوسط فمتوسط على الترتيب في الصعود والنزول .

          القسم الرابع : المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق المذكورة ولا ظهر إلغاؤه في صورة ، ويعبر عنه بالمناسب المرسل [1] ، وسيأتي الكلام عنه فيما بعد .

          [ ص: 285 ] القسم الخامس : المناسب الذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه وظهر مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في صوره ، فهذا مما اتفق على إبطاله وامتناع التمسك به ، وذلك كقول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان وهو صائم : ( يجب عليك صوم شهرين متتابعين ) .

          فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله ، قال : لو أمرته بذلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق رقبة في قضاء شهوة فرجه ، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم مبالغة في زجره ، فهذا وإن كان مناسبا غير أنه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت إلغائه بنص الكتاب .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية