الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 194 ] القسم الأول : في شرائط حكم الأصل وهي ثمانية .

          الشرط الأول : أن يكون حكما شرعيا ; لأن الغرض من القياس الشرعي إنما هو تعريف الحكم الشرعي في الفرع نفيا وإثباتا ، فإذا لم يكن الحكم في الأصل شرعيا بأن كان قضية لغوية أو عقلية ، فالحكم المتعدي إلى الفرع لا يكون شرعيا فلا يكون الغرض من القياس الشرعي حاصلا ، كيف وإنه إذا كان قضية لغوية فقد بينا امتناع جريان القياس فيه في اللغات .

          الشرط الثاني : يكون ثابتا غير منسوخ ، حتى يمكن بناء الفرع عليه ، وإلا فبتقدير أن لا يكون فلا ينتفع به ناظر ولا مناظر ; لأنه إنما تعدى الحكم من الأصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع ، وذلك متوقف على اعتبار الشارع له ، فإذا لم يكن الحكم المرتب على وصفه في الشرع فلا يكون معتبرا .

          الشرط الثالث : أن يكون دليل ثبوته شرعيا ; لأن ما لا يكون دليله شرعيا لا يكون حكما شرعيا .

          الشرط الرابع : ألا يكون حكم الأصل متفرعا عن أصل آخر ، وهذا ما ذهب إليه أكثر أصحابنا والكرخي خلافا للحنابلة [1] وأبي عبد الله البصري ، وذلك لأن العلة الجامعة بينه وبين أصله إما أن تكون هي العلة الجامعة بينه وبين فرعه ، أو هي غيرها .

          فإن كان الأول : فالأصل الذي به الشهادة بالاعتبار إنما هو الأصل الأخير لا الأصل الأول ، فليقع الرد إليه وإلا فهو تطويل من غير فائدة ; وذلك كما لو قال [ ص: 195 ] الشافعي مثلا في السفرجل مطعوم ، فجرى فيه الربا قياسا على التفاح ، ثم قاس التفاح في تحريم الربا على البر بواسطة الطعم أيضا .

          وإن كان الثاني : وهو أن تكون العلة في القياسين مختلفة ، فلا تخلو إما أن تكون العلة التي عدي بها الحكم من الأصل الممنوع حكمه إلى فرعه - مؤثرة ، أي : ثابتة بنص أو إجماع ، أو مستنبطة منه ، فإن كان الأول فقد أمكن إثبات الحكم في الفرع الأول بالعلة المؤثرة ، ولم يبق للقياس على الأصل الممنوع حكمه ، وقياسه على الأصل الأخير - حاجة ، بل هو تطويل غير مفيد . وإن كان الثاني : وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة فسخ النكاح بالجذام : عيب يثبت به الفسخ في البيع فيثبت به الفسخ في النكاح ، قياسا على الرتق والقرن ثم قاس الرتق والقرن عند توجه منعه على الجب والعنة بواسطة فوات غرض الاستمتاع به ، فلا يصح القياس فيه ، وذلك لأن الحكم في الفرع المتنازع فيه أولا إنما يثبت بما ثبت به حكم أصله ، فإذا كان حكم أصله ثابتا بعلة أخرى وهي ما استنبطت من الأصل الآخر ، فيمتنع تعدية الحكم بغيرها ; لأن غيرها لم يثبت اعتبار الشارع له ضرورة أن الحكم الثابت معه ثابت بغيره بالاتفاق ، فلو ثبت الحكم به في الفرع الأول مع عدم اعتباره كان ذلك إثباتا للحكم بالمعنى المرسل الخلي عن الاعتبار وذلك ممتنع .

          وعلى هذا فإن قلنا بجواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مع كونه ممتنعا كما يأتي تقريره [2] ، فهو ممتنع هاهنا حيث إنا قطعنا بأن العلة المستنبطة من الأصل الممنوع مما لم يلتفت إليها الشارع في إثبات الحكم في أصلها للاتفاق على ثبوته بغيرها ، والجمع بين العلل إنما يكون حيث يمكن الظن باعتبار الشارع لها من إثبات الحكم على وفقها .

          هذا كله إن كان حكم الأصل مقولا به من جهة المستدل ممنوعا من جهة المعترض ، وأما إن كان مقولا به من جهة المعترض ممنوعا من جهة المستدل ، وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة تعيين النية عندما إذا نوى النفل أتى بما أمر به ، فوجب أن يصح كما إذا كان عليه فريضة الحج ونوى النفل ، فإن الحكم [ ص: 196 ] في الأصل مما لا يقول به الحنفي بل الشافعي ، فلا يصح من المستدل بناء الفرع عليه ;‌‌‌‌‌‌‌لأنه إما أن يذكر ذلك في معرض التقرير لمأخذ من هو منتم إليه أو في معرض الإلزام للخصم .

          فإن كان الأول فهو ممتنع لأنه إنما يعرف كون الوصف الجامع مأخذا لإمامه ؛ بإثباته للحكم على وفقه ، وبالقياس على الأصل الذي لا يقول به إمامه لا يعرف ذلك .

          وإن كان الثاني : وذلك بأن يقول : هذا هو عندك علة الحكم في الأصل المقيس عليه ، وهو موجود في محل النزاع ، فيلزمك الاعتراف بحكمه وإلا فيلزم منه إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف الحكم عنه من غير معارض ، ويلزم من إبطال التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الأصل ، فهو أيضا ممتنع لوجهين :

          الأول : أن للمعترض أن يقول : الحكم في الأصل لم يكن عندي ثابتا بناء على هذا الوصف بل بناء على غيره ، ويجب تصديقه فيه لكونه عدلا ، والظاهر من حاله الصدق وهو أعرف بمأخذ مذهبه . الثاني : أنه وإن كان الحكم في الأصل معللا بالوصف المذكور غير أن حاصل الإلزام يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في الفرع بإثبات خلاف حكمه ، ضرورة تصويبه في اعتقاد كون الوصف الجامع علة للحكم في الأصل المقيس عليه ، وهو غير لازم ; إذ ليس تخطئته في الفرع ضرورة تصويبه في حكم الأصل بالوصف المذكور - أولى من تخطئته في تعليل حكم الأصل بالوصف المذكور ، وتصويبه في حكم الفرع .

          الشرط الخامس : ألا يكون حكم الأصل معدولا به عن سنن القياس ، والمعدول به عن سنن القياس على قسمين :

          الأول : ما لا يعقل معناه ، وهو على ضربين : إما مستثنى من قاعدة عامة أو مبتدأ به ، فالأول كقبول شهادة خزيمة وحده ، فإنه مع كونه غير معقول المعنى - مستثنى من قاعدة الشهادة .

          والثاني : كأعداد الركعات وتقدير نصب الزكوات ومقادير الحدود [ ص: 197 ] والكفارات ، فإنه مع كونه غير معقول المعنى غير مستثنى من قاعدة سابقة عامة ، وعلى كلا التقديرين يمتنع فيه القياس .

          القسم الثاني : ما شرع ابتداء ولا نظير له ، ولا يجري فيه القياس لعدم النظير ، وسواء كان معقول المعنى كرخص السفر والمسح على الخفين لعلة دفع المشقة ، أو هو غير معقول المعنى ، كاليمين في الدية على العاقلة ونحوه .

          الشرط السادس : إذا كان حكم الأصل متفقا عليه ، فقد اختلفوا في كيفية الإنفاق :

          فمنهم من قال بأنه يكفي أن يكون ذلك متفقا عليه بين الفريقين لا غير .

          ومنهم من قال : لا يكفي ذلك ، بل لا بد وأن يكون متفقا عليه بين الأمة ، وإلا فإن كان متفقا عليه بين الفريقين فقط ، فلا يصح القياس عليه وسموه قياسا مركبا .

          وقبل النظر في مأخذ الحجاج فلا بد من النظر في معنى القياس المركب وأقسامه .

          أما القياس المركب فهو أن يكون الحكم في الأصل غير منصوص عليه ولا مجمع عليه من الأمة [3] وهو قسمان :

          الأول مركب الأصل ، والثاني مركب الوصف .

          أما التركيب في الأصل : فهو أن يعين المستدل علة في الأصل المذكور ، ويجمع بها بينه وبين فرعه فيعين المعترض فيه علة أخرى ويقول : الحكم عندي ثابت بهذه العلة ، وذلك كما إذا قال في مسألة الحر بالعبد مثلا : عبد فلا يقتل به الحر كالمكاتب ، فإن المكاتب غير منصوص عليه ولا مجمع عليه بين الأمة ; لاختلاف الناس في وجوب القصاص على قاتله ، وإنما هو متفق عليه بين الشافعي وأبي حنيفة .

          وعند ذلك فللحنفي أن يقول : العلة في المكاتب [4] المتفق عليه المانعة من جريان القصاص فيه عندي إنما هو جهالة [5] المستحق من السيد أو الورثة ، فإن سلم ذلك امتنعت التعدية إلى الفرع لخلو الفرع عن العلة ، وإن أبطل التعليل بها فأنا أمنع الحكم في الأصل ; لأنه إنما ثبت عندي بهذه العلة ، وهي مدرك إثباته ولا محذور في نفي الحكم [ ص: 198 ] لانتفاء مدركه ; إذ لم يلزم منه مخالفة نص ولا إجماع ، وعلى كلا التقديرين فالقياس يكون ممتنعا إما لمنع حكم الأصل وإما لعدم علة الأصل في الفرع .

          قال بعض الأصوليين : وإنما سمي هذا النوع قياسا مركبا ; لاختلاف الخصمين في علة الأصل وليس بحق ، وإلا كان كل قياس اختلف في علة أصله وإن كان منصوصا أو متفقا عليه بين الأمة مركبا وليس كذلك .

          والأشبه أنه إنما سمي بذلك لاختلاف الخصمين في تركيب الحكم على العلة في الأصل ، فإن المستدل يزعم أن العلة الجامعة مستنبطة من حكم الأصل وهي فرع له ، والمعترض يزعم أن الحكم في الأصل فرع على العلة وهي المثبتة له ، وأنه لا طريق إلى إثباته سواها ، وأنها غير مستنبطة منه ولا هي فرع عليه ، ولذلك منع ثبوت الحكم عند إبطالها ، وإنما سمي مركب الأصل لأنه نظير في علة حكم الأصل .

          [6] وأما مركب الوصف فهو ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدل ، هل له وجود في الأصل أو لا ؟

          وذلك كما لو قال المستدل في مسألة تعليق الطلاق بالنكاح : تعليق ، فلا يصح قبل النكاح كما لو قال : زينب التي أتزوجها طالق ، فللخصم أن يقول : لا نسلم وجود التعليق في الأصل بل هو تنجيز ، فإن ثبت أنه تعليق فأنا أمنع الحكم وأقول بصحته كما في الفرع ، ولا يلزمني من المنع محذور لعدم النص عليه وإجماع الأمة ، وإنما سمي مركب الوصف لأنه خلاف في تعيين الوصف الجامع .

          وإذ أتينا على بيان معنى القياس المركب وأقسامه .

          فنقول : لا يخلو إما أن ينظر في ذلك إلى الناظر المجتهد أو المناظر ، فإن كان الأول ، فإن كان له مدرك في ثبوت حكم الأصل سوى النص والإجماع فالقياس صحيح ; لأنه إذا غلب على ظنه صحة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجبه ظنه ، وإن [ ص: 199 ] لم يكن له مدرك سوى النص والإجماع ، فالقياس متعذر لتعذر إثبات حكم الأصل .

          وإن كان الثاني ، فالمختار بعد إبطال ما يعارض به الخصم في القسم الأول من التركيب ، وتحقيق وجود ما يدعيه في الأصل في القسم الثاني منه - إنما هو التفصيل ، وهو أن الخصم إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا .

          فإن كان مجتهدا وظهر في نظره إبطال المدرك الذي بنى عليه حكم الأصل ، فله منع حكم الأصل ، وعند ذلك فالقياس لا يكون منتفعا به بالنسبة إلى الخصم .

          وإن كان مقلدا فليس له منع الحكم في الأصل وتخطئة إمامه فيه بناء على عجزه هو عن تمشية الكلام مع المستدل ، وذلك لاحتمال أن لا يكون ما عينه المعترض هو المأخذ في نظر إمامه ، وبتقدير أن يكون هو المأخذ في نظر إمامه فلا يلزم من عجز المقلد عن تقريره عجز إمامه عنه لكونه أكمل حالا منه وأعرف بوجه ما ذهب إليه وتقريره .

          وقد قيل : إنه وإن كان لا بد من تخطئة إمام المعترض إما في حكم الأصل أو الفرع ، فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع ، وليس بحق فإنه كما أنه ليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع فليس للمستدل تخطئة إمام المعترض في الفرع دون الأصل ، ولا أولوية .

          فإن قيل : بل تخطئته في الفرع أولى لوقوع الخلاف فيه بين إمام المستدل وإمام المعترض بخلاف حكم الأصل فيقال : كما أن الخلاف واقع في الفرع بين الإمامين فالخلاف في الأصل أيضا واقع بين الأئمة ; إذ هو مجمع عليه ، وليس موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الأصل .

          الشرط السابع : أن لا يكون الدليل الدال على إثبات حكم الأصل دالا على إثبات حكم الفرع ، وإلا فليس جعل أحدهما أصلا للآخر أولى من العكس .

          الشرط الثامن : اختلف الأصوليون في اشتراط قيام الدليل على تعليل حكم الأصل وجواز القياس عليه نفيا وإثباتا .

          والمختار أنه إن أريد بالدليل الدال على ذلك - أن يكون دليلا خاصا بذلك الأصل من كتاب أو سنة أو إجماع فهو باطل .

          [ ص: 200 ] وإن أريد به أنه لا بد من قيام دليل على ذلك بجهة العموم والشمول فهو حق ، وذلك لأنا سنبين أن كل أصل أمكن تعليل حكمه فإنه يجب تعليله ، وأنه يجوز القياس عليه ، وذلك لأن مدرك كون القياس حجة إنما هو إجماع الصحابة على ما يأتي .

          [7] وقد علمنا من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا يقيسون الفرع على الأصل عند وجود ما يظن كونه علة لحكم الأصل في الأصل ، فظن وجوده في الفرع ، وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل وجواز القياس عليه حتى قال عمر لأبي موسى الأشعري : ( اعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور برأيك ) [8] ولم يفصل .

          وكذلك اختلفوا في قوله : ( أنت علي حرام ) حتى قاسه بعضهم على الطلاق ، وبعضهم على الظهار ، وبعضهم على اليمين ، ولم ينقل نص خاص ولا إجماع على القياس على تلك الأصول ولا على جواز تعليلها .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية