الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 19 ] المسألة الخامسة

          اختلفوا في قوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) فقال بعض الأصوليين إن لفظ القطع واليد مجمل .

          أما الإجمال في القطع فلأنه يصدق إطلاقه على بينونة العضو من العضو ، وعلى شق الجلد الظاهر من العضو بالجرح من غير إبانة للعضو .

          ولذلك يقال عندما إذا جرح يده في بعض الأعمال ، كبري القلم وغيره " قطع يده "

          وأما الإجمال في اليد ، فلأن لفظ اليد يطلق على جملتها إلى المنكب ، وعليها إلى المرفق ، وعليها إلى الكوع ، وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر ، فكان لفظ اليد والقطع مجملا .

          وذهب الباقون إلى خلافه متمسكين في ذلك بالإجمال والتفصيل :

          أما الإجمال : فهو أن إطلاق لفظ اليد على ما ذكر من المحامل ، وكذلك إطلاق لفظ القطع :

          إما أن يكون حقيقة في الكل أو هو حقيقة في البعض مجاز في البعض ، فإن كان حقيقة في الكل ، فإما أن يكون مشتركا ، أو متواطئا : القول بالاشتراك يلزم منه الإجمال في الكلام ، وهو على خلاف الأصل .

          وإن كان الثاني والثالث ، فليس بمجمل .

          كيف وإنه وإن كان الاشتراك الأصل ، إلا أن الاحتمالات ثلاثة كما ذكرناه ، ولا إجمال فيه على تقديرين منها . وهما حالة التواطؤ والتجوز في أحدهما ، وإنما يتحقق الإجمال على تقدير الاشتراك ، وهو متحد ، ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه .

          وإذا كان حقيقة في أحدهما دون الآخر ، فيجب اعتقاد كونه ظاهرا في كل العضو ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما سواه ، أما عند الخصم ، فلدعواه الإجمال ، وأما عندنا فلمصيرنا إلى نفي الظهور عنه وانحصاره في جملة مسمى العضو .

          [ ص: 20 ] وأما التفصيل : فهو أن لفظ اليد ، وإن أطلق على ما ذكروه من الاحتمالات إلا أنه حقيقة في جملة العضو إلى المنكب ، ومجاز فيما عداه .

          ودليله أنه يصح أن يقال ، إذا أبينت اليد من المرفق أو من الكوع : هذا بعض اليد لا كلها .

          وذلك يدل على أنه ليس حقيقة من وجهين :

          الأول : أن مسمى اليد حقيقة لا يصدق عليه أنه بعض اليد .

          والثاني : صحة القول بأنه ليس كل اليد ولو كان مسمى اليد حقيقة ، لما صح نفيه .

          وأما لفظ القطع فحقيقة في إبانة الشيء عما كان متصلا به .

          فإذا أضيف القطع إلى اليد ، وكان مسمى اليد حقيقة في جملتها إلى الكوع ، وجب حمله على إبانة مسمى اليد ، وهو جملتها ، وحيث أطلق قطع اليد عند إبانة بعض أجزائها عن بعض لا يكون حقيقة ، بل تجوزا .

          فإن قيل : لو كان الأمر على ما ذكرتموه لما وجب الاقتصار في قطع يد السارق على قطعه من الكوع ، لما فيه من مخالفة الظاهر .

          قلنا : وإن لزم منه مخالفة الظاهر إلا أنه أولى من القول بالإجمال في كلام الشارع ، فكان إدراج ما نحن فيه تحت الأغلب أغلب .

          الثاني : أن القول بالإجمال مما يفضي إلى تعطيل اللفظ عن العمل في الحال ، إلى حين قيام الدليل المرجح ، ولا كذلك في الحمل على المجاز : فإنه إن لم يظهر دليل التجوز عمل باللفظ في حقيقته ، وإن ظهر عمل به في مجازه ، من غير تعطيل اللفظ في الحال ولا في ثاني الحال .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية