الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          المسألة الرابعة

          مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل خلافا لبعض الشذوذ ، ودليله أمران :

          الأول : ما يدل على الجواز العقلي ، وهو أنا لو فرضنا وقوع ذلك لم يلزم عنه لذاته محال في العقل ، ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا ، ولأنه لا يخلو إما أن لا يقال برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى [1] أو يقال بذلك :

          فإن كان الأول : فرفع حكم الخطاب بعد ثبوته لا يكون ممتنعا ، لأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء .

          وإن كان الثاني فلا يمتنع في العقل أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون بدله .

          الثاني : ما يدل على الجواز الشرعي ، وهو أن ذلك مما وقع في الشرع كنسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم - [2] ونسخ الاعتداد بحول كامل في حق المتوفى عنها زوجها ، ونسخ وجوب ثبات الرجل لعشرة ، ونسخ وجوب الإمساك بعد [ ص: 136 ] الفطر في الليل [3] ونسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي [4] وكل ذلك بدل من غير بدل إلى غير ذلك من الأحكام التي نسخت لا إلى بدل .

          والوقوع في الشرع أدل الدلائل على الجواز الشرعي .

          فإن قيل : ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه ، وهو قوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) أخبر أنه لا ينسخ إلا ببدل ، والخلف في خبر الصادق محال .

          قلنا : ما ذكروه إنما هو دليل لزوم البدل في نسخ لفظ الآية ، وليس فيه دلالة على نسخ حكمها ، وذلك هو موضع الخلاف .

          سلمنا دلالة ما ذكروه على نسخ الحكم ، لكن لا نسلم العموم في كل حكم وإن سلمنا ، ولكنه مخصص بما ذكرناه من الصور .

          سلمنا أنه غير مخصص ، لكن ما المانع أن يكون رفع الحكم بدل إثباته ، وهو خير منه في الوقت الذي نسخ فيه ، لكون المصلحة في الرفع دون الإثبات ، وإن سلم امتناع وقوع ذلك شرعا ، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية