الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 181 ] خاتمة في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ

فنقول : النصان إذا تعارضا إما أن يتعارضا من كل وجه أو من وجه دون وجه ، فإن تنافيا من كل وجه فإما أن يكونا معلومين أو مظنونين أو أحدهما معلوما والآخر مظنونا ، فإن كانا معلومين أو مظنونين فإما أن يعلم تأخر أحدهما عن الآخر أو اقترانهما أو لا يعلم شيء من ذلك ، فإن علم تأخر أحدهما عن الآخر فهو ناسخ والمتقدم منسوخ .

وذلك قد يعرف إما بلفظ النسخ والمنسوخ كما لو قال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذا ناسخ وهذا منسوخ " [1] أو أجمعت الأمة على ذلك .

وإما بالتاريخ ، وذلك قد يعلم إما بأن يكون في اللفظ ما يدل على التقدم والتأخر كقوله صلى الله عليه وسلم : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " .

وإما بإسناد الراوي أحدهما إلى شيء متقدم كقوله : كان هذا في السنة الفلانية وهذا في السنة الفلانية . وإحداهما معلومة التقدم على الأخرى ، هذا كله إذا كان سند الناسخ والمنسوخ مستويا .

وليس من الطرق الصحيحة في معرفة النسخ أن يقول الصحابي : " كان الحكم كذا ثم نسخ " فإنه ربما قال ذلك عن اجتهاد ، ولا أن يقول في أحد المتواترين إنه كان قبل الآخر ; لأنه يتضمن نسخ المتواتر بقول الواحد ولا يلزم ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش ضمنا من قبول قول القابلة في الولد إنه من إحدى المرأتين ، وأن النسب لا يثبت بقولها ابتداء مثل ذلك هاهنا كما قاله القاضي عبد الجبار ، فإن غاية ذلك الجواز ولا يلزم منه الوقوع .

ولا أن يكون أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر لأنه ليس ترتيب الآيات في المصحف على ترتيبها في النزول ، ولا أن يكون راوي أحدهما من أحداث [ ص: 182 ] الصحابة لأنه قد ينقل عمن تقدمت صحبته ، وإن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير واسطة ، فلجواز أن تكون رواية متقدم الصحبة متأخرة .

ولا أن يكون إسلام أحد الراويين بعد إسلام الآخر ; لما ذكرناه في رواية الحدث ، ولا أن يكون أحد الراويين متجدد الصحبة بعد انقطاع صحبة الراوي الآخر ; لجواز سماعه عمن تقدمت صحبته .

ولا أن يكون أحد النصين على وفق قضية العقل والبراءة الأصلية والآخر على خلافه ، فإنه ليس تقدم الموافق لذلك أولى من المخالف .

وأما إن علم اقترانهما مع تعذر الجمع بينهما فعندي أن ذلك غير متصور الوقوع وإن جوزه قوم ، وبتقدير وقوعه فالواجب إما الوقف عن العمل بأحدهما [2] أو التخيير بينهما إن أمكن ، وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شيء من ذلك .

وأما إن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا ، فالعمل بالمعلوم واجب سواء تقدم أو تأخر [3] ، أو جهل الحال في ذلك لكنه إن كان متأخرا عن المظنون كان ناسخا وإلا كان مع وجوبه العمل غير ناسخ . هذا كله فيما إذا تنافيا من كل وجه .

وأما إن تنافيا من وجه دون وجه بأن يكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه دون وجه كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( من بدل دينه فاقتلوه ) [4] فإنه خاص بالمبدل وعام في النساء والرجال ، وقوله : " نهيت عن قتل النسوان " [5] فإنه خاص في النساء وعام بالنسبة إلى المبدل ، فالحكم فيهما كما لو تنافيا من كل وجه فعليك بالاعتبار ، والله أعلم

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث