الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة لا يحل لواهب أن يرجع في هبته ولا لمهد أن يرجع في هديته

جزء التالي صفحة
السابق

( 4481 ) مسألة قال : ( ولا يحل لواهب أن يرجع في هبته ، ولا لمهد أن يرجع في هديته ، وإن لم يثب عليها ) يعني وإن لم يعوض عنها . وأراد من عدا الأب ; لأنه قد ذكر أن للأب الرجوع ، بقوله : " أمر برده " . فأما غيره فليس له الرجوع في هبته ولا هديته . وبهذا قال الشافعي وأبو ثور . وقال النخعي ، والثوري ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي : من وهب لغير ذي رحم فله الرجوع ، ما لم يثب عليها ، ومن وهب لذي رحم فليس له الرجوع . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واحتجوا بما روى أبو هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الرجل أحق بهبته ، ما لم يثب منها } . رواه ابن ماجه ، في " سننه "

وبقول عمر ، ولأنه لم يحصل له عنها عوض ، فجاز له الرجوع فيها ، كالعارية . ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم { : العائد في هبته ، كالعائد في قيئه . وفي لفظ : كالكلب يعود في قيئه . وفي رواية إنه ليس لنا مثل السوء ، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه } . متفق عليه ، وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم { : ليس لأحد أن يعطي عطية ، فيرجع فيها ، إلا الوالد فيما يعطي ولده } . وقد ذكرناه

وروى عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا يرجع واهب في هبته ، إلا الوالد فيما يعطي ولده } . ولأنه واهب لا ولاية له في المال ، فلم يرجع في هبته ، كذي الرحم المحرم . وأحاديثنا أصح من حديثهم وأولى . وقول عمر ، قد روي عن ابنه وابن عباس خلافه . وأما العارية فإنما هي هبة المنافع ، ولم يحصل القبض فيها

فإن قبضها باستيفائها ، فنظير مسألتنا ما استوفى من منافع العارية ، فإنه لا يجوز الرجوع فيها .

( 4482 ) فصل : فحصل الاتفاق على أن ما وهبه الإنسان لذوي رحمه المحرم غير ولده ، لا رجوع فيه . وكذلك ما وهب الزوج لامرأته . والخلاف فيما عدا هؤلاء ، فعندنا لا يرجع إلا الوالد ، وعندهم لا يرجع إلا الأجنبي . فأما هبة المرأة لزوجها ، فعن أحمد فيه روايتان إحداهما لا رجوع لها فيها . وهذا قول عمر بن عبد العزيز ، [ ص: 398 ] والنخعي ، وربيعة ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي

وهو قول عطاء ، وقتادة . والثانية ، لها الرجوع . قال الأثرم : سمعت أحمد يسأل عن المرأة تهب ، ثم ترجع ، فرأيته يجعل النساء غير الرجال . ثم ذكر الحديث { : إنما يرجع في المواهب النساء وشرار الأقوام } . وذكر حديث عمر : إن النساء يعطين أزواجهن رغبة ورهبة ، فأيما امرأة أعطت زوجها شيئا ، ثم أرادت أن تعتصره ، فهي أحق به . رواه الأثرم بإسناده .

وهذا قول شريح ، والشعبي ، وحكاه الزهري عن القضاة . وعن أحمد رواية أخرى ثالثة ، نقلها أبو طالب ، إذا وهبت له مهرها ، فإن كان سألها ذلك ، رده إليها ، رضيت أو كرهت ; لأنها لا تهب إلا مخافة غضبه ، أو إضرار بها بأن يتزوج عليها . وإن لم يكن سألها ، وتبرعت به ، فهو جائز . فظاهر هذه الرواية ، أنه متى كانت مع الهبة قرينة ، من مسألته لها ، أو غضبه عليها ، أو ما يدل على خوفها منه ، فله الرجوع ; لأن شاهد الحال يدل على أنها لم تطب بها نفسها ، وإنما أباحه الله تعالى عند طيب نفسها ، بقوله تعالى : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا }

وظاهر كلام الخرقي الرواية الأولى ، وهو اختيار أبي بكر ; لقول الله تعالى : { إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } . وقال تعالى : { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } . وعموم الأحاديث التي قدمناها .

( 4483 ) فصل : ولا يجوز للمتصدق الرجوع في صدقته ، في قولهم جميعا ; لأن عمر قال في حديثه : من وهب هبة على وجه صدقة ، فإنه لا يرجع فيها

مع عموم أحاديثنا ، فاتفق دليلهم ودليلنا ، فلذلك اتفق قولهم وقولنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث