الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 18 ] قوله { ومن كان له دين على مليء من صداق أو غيره زكاه إذا قبضه } هذا المذهب ، وعليه الأصحاب ، وعنه لا تجب فيه الزكاة ، فلا يزكيه إذا قبضه ، وعنه يزكيه إذا قبضه ، أو قبل قبضه ، قال في الفائق : وعنه يلزمه في الحال ، وهو المختار .

تنبيه : قوله " على مليء " من شرطه : أن يكون باذلا .

فائدة : الحوالة به والإبراء منه كالقبض ، على الصحيح من المذهب ، وقيل : إن جعلا وفاء فكالقبض ، وإلا فلا .

قوله { زكاه إذا قبضه لما مضى } يعني من الأحوال ، وهذا المذهب سواء قصد ببقائه الفرار من الزكاة أو لا وجزم به في المغني ، والشرح ، والوجيز ، وغيرهم ، وقدمه في الفروع وغيره ، وعليه الأصحاب ، وعنه يزكيه لسنة واحدة ، بناء على أنه يعتبر لوجوبها إمكان الأداء ، ولم يوجد فيما مضى .

فوائد إحداها : يجزيه إخراج زكاته قبل قبضه لزكاة سنين ، ولو وقع التعجيل لأكثر من سنة لقيام الوجوب ، وإنما لم يجب الأداء رخصة . الثانية : لو ملك مائة نقدا ، ومائة مؤجلة : زكى النقد لتمام حوله ، وزكى المؤجل إذا قبضه . الثالثة : حول الصداق : من حين العقد ، على الصحيح من المذهب ، عينا كان أو دينا ، مستقرا كان أو لا ، نص عليه كذا عوض الخلع والأجرة ، وعنه ابتداء حوله من حين القبض لا قبله . [ ص: 19 ]

وعنه لا زكاة في الصداق قبل الدخول حتى يقبض ، فيثبت الانعقاد والوجوب قبل الحول ، قال المجد : بالإجماع ، مع احتمال الانفساخ ، وعنه تملك قبل الدخول نصف الصداق ، وكذا الحكم خلافا ومذهبا في اعتبار القبض في كل دين ، إذا كان في غير مقابلة مال ، أو مال زكوي عند الكل ، كموصى به ، وموروث ، وثمن مسكن ، وعنه لا حول لأجرة ، فيزكيه في الحال كالمعدن ، اختاره الشيخ تقي الدين . وهو من المفردات ، وقيدها بعض الأصحاب بأجرة العقار ، وهو من المفردات أيضا نظرا إلى كونها غلة أرض مملوكة له ، وعنه أيضا لا حول لمستفاد ، وذكرها أبو المعالي فيمن باع سمكا صاده بنصاب زكاة فعلى الأول : لا يلزمه الإخراج قبل القبض .

الرابعة : لو كان عليه دين من بهيمة الأنعام ، فلا زكاة لاشتراط السوم فيها ، فإن عينت زكيت كغيرها ، وكذا الدية الواجبة لا تجب فيها الزكاة ، لأنها لم تتعين مالا زكويا ; لأن الإبل في الذمة فيها أصل أو أحدها .

تنبيه : شمل قول المصنف " من صداق أو غيره " القرض ، ودين عروض التجارة ، وكذا المبيع قبل القبض ، جزم به المجد وغيره ، فيزكيه المشتري ، ولو زال ملكه عنه ، أو زال ، أو انفسخ العقد ، بتلف مطعوم قبل قبضه . ويزكى المبيع بشرط الخيار ، أو في خيار المجلس من حكم له بملكه ، ولو فسخ العقد . ويزكى أيضا دين السلم إن كان للتجارة ، ولم يكن أثمانا . ويزكى أيضا ثمن المبيع ورأس مال السلم قبل قبض عوضهم ، ولو انفسخ العقد ، قال في الفروع : جزم بذلك جماعة وقال في الرعاية : وإنما تجب الزكاة في ملك تام مقبوض ، وعنه أو مميز لم يقبض ثم قال قلت : وفيما صح تصرف ربه فيه قبل قبضه أو ضمنه بتلفه ، وفي ثمن المبيع ، ورأس مال المسلم قبل قبض عوضهما ، [ ص: 20 ] ودين السلم إن كان للتجارة ، ولم يكن أثمانا ، وفي المبيع في مدة الخيار قبل القبض روايتان . وللبائع إخراج زكاة مبيع فيه خيار منه ، فيبطل البيع في قدره ، وفي قيمته روايتا تفريق الصفقة ، وفي أيهما تقبل .

قوله { وفي قيمة المخرج وجهان } وأطلقهما في الفروع ، وابن تميم قلت : الصواب قول المخرج ، فأما مبيع غير متعين ولا متميز فيزكيه البائع .

الخامسة : كل دين سقط قبل قبضه ، ولم يتعوض عنه : تسقط زكاته ، على الصحيح من المذهب .

وقيل : هل يزكيه من سقط عنه ؟ يخرج على روايتين ، وإن أسقطه ربه زكاة ، نص عليه ، وهو الصحيح من المذهب ، كالإبراء من الصداق ونحوه ، وقيل : يزكيه المبرأ من الدين ، لأنه ملك عليه ، وقيل : لا زكاة عليهما . وهو احتمال في الكافي ، وهو من المفردات ، وإن أخذ ربه عوضا ، أو أحال أو احتال زاد بعضهم ، وقلنا : الحوالة وفاء زكاه على الصحيح من المذهب ، كعين وهبها ، وعنه زكاة التعويض على الدين ، وقيل في ذلك ، وفي الإبراء يزكيه ربه إن قدر وإلا المدين .

السادسة : الصداق في هذه الأحكام كالدين فيما تقدم ، على الصحيح من المذهب ، وقيل : سقوطه كله لانفساخ النكاح من جهتها كإسقاطها ، وإن زكت صداقها ، قال الزركشي : وقيل لا ينعقد الحول ; لأن الملك فيه غير تام ، وقيل : محل الخلاف فيما قبل الدخول ، هذا إذا كان في الذمة ، أما إن كان معينا فإن الحول ينعقد من حين الملك ، نص عليه . انتهى [ ص: 21 ]

وإن زكت صداقها كله ، ثم تنصف بطلاق : رجع فيما بقي بكل حقه على الصحيح من المذهب ، وقيل : إن كان مثليا ، وإلا فقيمة حقه ، وقيل : يرجع بنصف ما بقي ، ونصف بدل ما أخرجت ، وقيل : يخير بين ذلك ونصف قيمة ما أصدقها يوم العقد أو مثله ، ولا تجزيها زكاتها منه بعد طلاقه ، لأنه مشترك ، وقيل : بلى عن حقها ، وتغرم له نصف ما أخرجت ، ومتى لم تزكه رجع بنصفه كاملا ، وتزكيه هي ، فإن تعذر ، فقال في الفروع : يتوجه لا يلزم الزوج ، وقال في الرعاية : يلزمه ، ويرجع عليها إن تعلقت بالعين وقيل : أو بالذمة .

[ فائدة : لو وهبت المرأة صداقها لزوجها : لم تسقط عنها الزكاة ، على الصحيح من المذهب ، قاله القاضي وغيره ، وعنه تجب على الزوج ، وفي الكافي احتمال بعدم الوجوب عليها ] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث