الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الطبقة الرابعة أن يتوب ويجري مدة على الاستقامة ثم يعود إلى مقارفة الذنب

الطبقة الرابعة أن يتوب ويجري مدة على الاستقامة ، ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب من غير أن يحدث نفسه بالتوبة ومن غير أن يتأسف على فعله بل ينهمك انهماك الغافل في اتباع شهواته ، فهذا من جملة المصرين وهذه النفس هي النفس الأمارة بالسوء الفرارة من الخير ، ويخاف على هذا سوء الخاتمة وأمره في مشيئة الله فإن ختم له بالسوء شقي شقاوة لا آخر لها ، وإن ختم له بالحسنى حتى مات على التوحيد ، فينتظر له الخلاص من النار ، ولو بعد حين ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفي لا تطلع عليه كما لا يستحل أن يدخل الإنسان خرابا ليجد كنزا فيتفق أن يجده وأن يجلس في البيت ليجعله الله عالما بالعلوم من غير تعلم كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم فطلب المغفرة بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار وطلب المال ، بالتجارة وركوب البحار ، وطلبها بمجرد الرجاء مع خراب الأعمال كطلب الكنوز في المواضع الخربة ، وطلب العلوم من تعليم الملائكة ، وليت من اجتهد تعلم ، وليت من اتجر استغنى ، وليت من صام وصلى غفر له ، فالناس كلهم محرومون إلا العالمون ، والعالمون كلهم محرومون إلا العاملون والعاملون كلهم محرومون إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم وكما أن من خرب بيته ، وضيع ماله ، وترك نفسه وعياله جياعا يزعم أنه ينتظر فضل الله بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض في بيته الخرب يعد عند ذوي البصائر من الحمقى والمغرورين ، وإن كان ما ينتظره غير مستحيل في قدرة الله تعالى وفضله فكذلك ، من ينتظر المغفرة من فضل الله تعالى وهو مقصر عن الطاعة مصر على الذنوب غير سالك سبيل المغفرة يعد عند أرباب القلوب من المعتوهين والعجب من عقل هذا المعتوه وترويجه حماقته في صيغة حسنة إذ يقول : إن الله كريم وجنته ليست تضيق على مثلي ، ومعصيتي ليست تضره ثم تراه يركب البحار ، ويقتحم الأوعار في طلب الدينار ، وإذا قيل له : إن الله كريم ، ودنانير خزائنه ليست تقصر على فقرك وكسلك بترك التجارة ليس يضرك فاجلس في بيتك فعساه يرزقك من حيث لا تحتسب ، فيستحمق قائل هذا الكلام ويستهزئ به ويقول ما هذا الهوس السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ، وإنما ينال ذلك بالكسب وهكذا قدره مسبب الأسباب وأجرى به سنته ، ولا تبديل لسنة الله ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد ، وأن سنته لا تبديل لها فيهما جميعا وأنه ، قد أخبر إذ قال : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فكيف يعتقد أنه كريم في الآخرة ، وليس بكريم في الدنيا ، وكيف يقول : ليس مقتضى الكرم الفتور عن كسب المال ، ومقتضاه الفتور عن العمل للملك لذلك المقيم ، والنعيم الدائم وأن ، ذلك بحكم الكرم يعطيه من غير جهد في الآخرة ، وهذا يمنعه مع شدة الاجتهاد في غالب الأمر في الدنيا ، وينسى قوله تعالى : وفي السماء رزقكم وما توعدون فنعوذ بالله من العمى والضلال ، فما هذا إلا انتكاس على أم الرأس ، وانغماس في ظلمات الجهل ، وصاحب هذا جدير بأن يكون داخلا تحت قوله تعالى : ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا أي : أبصرنا أنك صدقت إذ قلت وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فأرجعنا نسعى وعند ذلك لا يمكن من الانقلاب ، ويحق عليه العذاب فنعوذ بالله من دواعي الجهل والشك والارتياب السائق بالضرورة إلى سوء المنقلب والمآب .

التالي السابق


( الطبقة الرابعة) أسوأ العبيد حالا، وأعظمهم على نفسه وبالا، وأقلهم من الله وصلا هو (أن يتوب) العبد عن المعاصي، (ويجري مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى مقارفة الذنب أو الذنوب) بأن يتبع الذنب ذنبا أو أعظم منه (من غير أن يحدث نفسه بالتوبة) ولا ينويها، (ومن غير أن يتأسف على فعله) ، ولا يعتقد استقامة ولا يرجو وعدا ليحسن ظنه، ولا يرجو وعيدا للتمكن منه (بل ينهمك انهماك الغافل في اتباع شهواته، فهذا) هو حقيقة الإصرار ، وهو (من جملة المصرين) والعتاة المستكبرين، وفي مثل هذا جاء الخبر: هلك المصرون قدما إلى النار، (وهذه النفس هي النفس الأمارة بالسوء الفرارة من) الصالحات و (الخير، ويخاف على هذا سوء الخاتمة) ; لأنه في مقدمتها، وسالك طريقها، ولا يبعد عنه سوء القضاء ودرك الشقاء، ولأن العاصي يريد الكفر، كما أن الحي يريد الموت، وفي مثل هذا قيل: من سوف الله تعالى بالتوبة أكذبه، وإن اللعنة خروج عن الذنب إلى ما هو أعظم منه، (و) هو في عموم المسلمين، (أمره في مشيئة الله) ومن الفاسقين، قال الله تعالى: وآخرون مرجون لأمر الله أي: مرجون بحكمه، إما يعذبهم بالإصرار، وإما يتوب عليهم بما سبق من حسن الاختيار (فإن ختم له بالسوء شقي شقاوة لا آخر لها، وإن ختم له بالحسنى حتى مات على التوحيد، فينتظر له الخلاص من النار، ولو بعد حين) على قدر إيمانه، (ولا يستحيل أن يشمله عموم العفو بسبب خفي لا تطلع عليه) ; لأن خفايا الألطاف دقيق لا اطلاع لأحد عليه (كما لا يستحيل أن يدخل الإنسان) موضعا (خرابا ليجد كنزا فيتفق أن يجده ولا) يستحيل أيضا (أن يجلس في البيت ليجعله الله عالما بالعلوم) ، والمعارف (من غير) سبق (تعلم) لها (كما كان الأنبياء صلوات الله عليهم) إذ علومهم وهبية إفاضية، (وطلب المغفرة بالطاعات كطلب العلم بالجهد والتكرار، و) طلب (المال بالتجارة وركوب البحار، وطلبها) أي: المغفرة (بمجرد الرجاء مع خراب الأعمال) ، وفسادها (كطلب الكنوز في المواضع الخربة، وطلب العلوم من تعليم الملائكة، وليت من اجتهد تعلم، وليت من اتجر) وركب البحار (استغنى، وليت من صام وصلى غفر له، فالناس كلهم محرومون) عن نيل السعادة (إلا العالمون، والعالمون محرومون إلا العاملون) لله تعالى، (والعاملون محرومون إلا المخلصون) في أعمالهم لله تعالى قال تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ، (والمخلصون على خطر عظيم) ، وهو منتزع من كلام أبي محمد سهل التستري رحمه الله تعالى: الناس كلهم هلكى إلا العالمون [ ص: 599 ] والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، وقد تقدم ذلك في آخر كتاب الغرور، (وكما أن من خرب بيته، وضيع ماله، وترك نفسه وعياله جياعا يزعم أنه ينتظر فضل الله) تعالى (بأن يرزقه كنزا يجده تحت الأرض في بيته الخرب) كان (يعد عند ذوي البصائر من الحمقى والمغرورين، وإن كان ما ينتظره غير مستحيل في قدرة الله تعالى وفضله، فكذا من ينتظر المغفرة من فضل الله تعالى هو مقصر في الطاعة مصر على الذنوب غير سالك سبيل المغفرة معدود عند أرباب القلوب من المعتوهين) أي: المدهوقين من غير جنون، (والعجب من عقل هذا المعتوه وترويجه حماقته في صيغة حسنة) الصيغة أصلها الواو كالقيمة، وصيغة القول كذا أي مثاله وصورته على التشبيه بالعمل والتقدير; (إذ يقول: إن الله) تعالى (كريم) أي: موصوف بالكرم، (وجنته ليست تضيق على مثلي، ومعصيتي ليست تضره) ، وإنما شؤمها علي (ثم تراه يركب البحار، ويقتحم الأوعار) أي: الأمور الصعبة (في طلب الدينار، وإذا قيل له: إن الله كريم، ودنانير خزائنه ليست تقصر عن فقرك وكسلك بترك التجارة ليس يضرك فاجلس في بيتك) ، واسترح (فعساه) أن (يرزقك من حيث لا تحتسب، فيستحمق قائل هذا الكلام) أي: يعده حمقا، (ويستهزئ به ويقول ما هذا الهوس) أي: خفة العقل (السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وإنما ينال ذلك بالكسب) والسعي في الأسباب (هكذا قدره رب الأرباب) ، وفي نسخة: مسبب الأسباب، (وأجرى به) في العالم (سنته، ولا تبديل لسنة الله) بنص القرآن، (ولا يعلم المغرور أن رب الآخرة ورب الدنيا واحد، وأن سنته لا تبديل لها فيهما جميعا، وإنه) تعالى (قد أخبر) على لسان رسله (إذ قال: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ، وأن سعيه سوف يرى (فكيف يعتقد أنه تعالى كريم في الآخرة، وليس بكريم في الدنيا، وكيف يقول: ليس مقتضى الكرم الفتور عن كسب الحلال، ومقتضاه الفتور عن العمل للملك المقيم، والنعيم الدائم، وإن ذلك بحكم الكرم يعطيه من غير جهد) ولا مشقة (في الآخرة، وهذا يمنعه مع شدة الاجتهاد في غالب الأمر في الدنيا، وينسى قوله تعالى: وفي السماء رزقكم وما توعدون فنعوذ بالله من العمى) أي: عمى البصيرة (والضلال، فما هذا إلا انتكاس على أم الرأس، وانغماس في ظلمات الجهل، وصاحب هذا جدير بأن يكون داخلا تحت قوله تعالى: ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم ) إلى تحت ( عند ربهم ) أي: في حضرة الربوبية يقولون: ( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ) إلى الدنيا ثانيا ( نعمل صالحا ) فإنا لا نرى النجاة إلا لمن عمل صالحا، وقال تعالى حكاية عنهم: ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ، وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور والتحسر على ما عملوه من غير الصالح والاعتراف به والإشعار بأن رجوعهم وإخراجهم لتلافيه وإنهم كانوا يحسبون أنه صالح، والآن تحقق لهم خلافه (أي: أبصرنا أنك صدقت إذ قلت) في كتابك العزيز: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فأرجعنا لنسعى) في صالح الأعمال، (وعند ذلك لا يمكن من الانقلاب، ويحق عليه العذاب) أي: يثبت، (فنعوذ بالله من دواعي الجهل والشك والارتياب السائق بالضرورة إلى سوء المنقلب والمآب) ، والله الموفق .



(تنبيه)

تقدم في تقسيم المصنف طبقات التائبين إلى أربعة، وأشار فيها أن الطبقة الأولى أهلها هم السابقون بالخيرات، وأن الثانية أهلها هم المقتصدون، وأن الثالثة والرابعة هم الظالمون أنفسهم، وأمرهم في مشيئة الله تعالى، وأشار في أثناء ذلك إلى النفوس الأربعة: المطمئنة [ ص: 600 ] واللوامة، والمسولة، والأمارة، وفي سياقه من أوله إلى آخره تلميح لطيف إلى قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ، أما النفوس فقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز إياها بثلاثة أوصاف بالطمأنينة قال: يا أيتها النفس المطمئنة ، وسماها لوامة فقال، ولا أقسم بالنفس اللوامة ، وسماها أمارة فقال: إن النفس لأمارة بالسوء ، وهي نفس واحدة، ولها صفات متغايرة، فإذا امتلأ القلب سكينة خلع الطمأنينة; لأن السكينة مزيد الإيمان، وفيها ارتقاء القلب إلى مقام الروح لما منح من حظ اليقين، وعند توجه القلب إلى محل الروح، وتوجه النفس إلى محل القلب، وفي ذلك طمأنينتها، وإذا انزعجت عن مقار جبلاتها، ودواعي طبيعتها متطلعة إلى مقار الطمأنينة فهي اللوامة; لأنها تعود باللائمة على نفسها لنظرها وعملها بمحل الطمأنينة، ثم انجذابها إلى محله الذي كانت فيه أمارة بالسوء، وإذا قامت في محله لا يغشاها نور العلم والمعرفة، فهي على ظلمتها أمارة بالسوء، وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب عجائب القلب، ولنتكلم على الآية المذكورة، قال البيضاوي: ظالم لنفسه، أي: بالتقصير في العمل به، وقوله: مقتصد، أي: يعمل به في أغلب الأوقات، والسابق هو الذي يضم التعليم والإرشاد إلى العمل، ومثل الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم، وقيل: الظالم المجرم، والمقتصد الذي خلط الصالح بالسيئ، والسابق الذي ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون في طول المحشر، ثم يتلقاهم الله برحمته"، وقيل: الظالم الكافر على أن الضمير للعباد، وتقديمه لكثرة الظالمين، ولأن الظلم بمعنى الجهل والركون إلى الهوى مقتضى الجبلة، والاقتصاد والسبق عارضان. انتهى .

قلت: وهذه الأقوال كلها مسندة، والحديث المذكور رواه الفريابي، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا الآية، فأما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر، ثم يلقاهم الله تعالى برحمته، فهم الذين يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إلى لغوب ".

قال البيهقي: إذا كثرت الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلا .

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ثم أورثنا الكتاب الآية. قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورثهم كل كتاب أنزل، فظالمهم مغفور له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.

وأخرج الطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: "هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، كلهم في الجنة" .

وأخرج الطيالسي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم، وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قال: قلت لعائشة: أرأيت قول الله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الآية قالت: أما السابق فقد مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد له بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أمرهم فعمل بمثل أعمالهم حتى يلحق بهم، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا، وكل في الجنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وقال: هذه الأمة ثلاثة أثلاث; ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يحبسون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بالله فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، ثم قرأ هذه الآية.

وأخرج العقيلي، وابن لال، وابن مردويه، والبيهقي من حديث عمر: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له. ثم قرأ عمر هذه الآية.

وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة عن عثمان أنه نزع بهذه الآية قال: إن سابقنا أهل جهاد، ألا وإن مقتصدنا ناج أهل حضرنا، ألا وإن ظالمنا أهل بدونا. وأخرج ابن مردويه [ ص: 601 ] والديلمي من حديث حذيفة: يبعث الله الناس على ثلاثة أصناف، وذلك في قول الله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا، والظالم لنفسه يدخل برحمته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطها أمة كانت قبلها; منهم ظالم لنفسه مغفور له، ومنهم مقتصد في الجنان، ومنهم بالمكان العالي.

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد: فمنهم ظالم لنفسه قال: هم أصحاب المشأمة، ومنهم مقتصد هم أصحاب اليمين، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله قال: هم السابقون من الناس كلهم، وفي تفسير الكواشي، وعن علي رضي الله عنه قال: الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي.

وفي الآية وجوه من الإشارات، قال الجنيد لما ذكر الخيرات دل على أن الخلق فيه عام وخاص، وأن الميراث لمن هو أصلح قربا، وأصلح نسبا، فتصحيح النسبة هو الأصل في رتبة القربة، فالظالم الذي أحبه لنفسه، والمقتصد الذي أحبه له، والسابق الذي أسقط مراده لمراد الحق فيه فلا يرى لنفسه طلبا، ولأفرد الغلبة سلطان الحق عليه، وقال النصراباذي: صحيح النسب، وخذ الميراث، ولا يأخذ ميراث الحق إلا من نسبه بالحق وإلى الحق دون الأسباب والوسائط. وقال جعفر الصادق: بدأ بالظالمين إخبارا بأنه لا يتقرب إليه بمحض كرمه، وأن الظلم يؤثر في الاصطفائية، ثم بالمقتصدين; لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين; لأنه لا يأمن أحد مكره، ومنهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص في الشهادة، وقال غيره: يبدأ بذوي الفروض، ثم ما يبقى فللمعصية، وإن كان صاحب الفرض أضعف استحقاقا كذلك قال الله تعالى: فمنهم ظالم لنفسه فقدمه على المقتصد والسابق، وتكلموا في الظالم فمنهم من قال: هو الأفضل، وأراد به من ظلم نفسه بكثرة ما حملها من الطاعة، والأكثرون على أن السابق هو الأفضل، وقالوا: التقديم في الذكر لا يقتضي التقديم في الرتبة يعني: فهو من باب التدلي لا من طريق الترقي، ويقال: قرن باسم الظالم قرينة، وهو قوله لنفسه ، وقرن باسم السابق قرينة، وهو قوله: بإذن الله ، فالظالم كان له زلة، والسابق كان له صولة، فالظالم رقع زلته بقوله: لنفسه ، والسابق كسر صولته بقوله: بإذن الله .

ويقال: الظالم من نجح كوكب عقله، والمقتصد من عظم بدر عمله، والسابق من أشرقت شمس معرفته .

ويقال: الظالم من ترك الزلة، والمقتصد من ترك الغفلة، والسابق من ترك العلاقة .

ويقال: الظالم من جاد بنفسه، والمقتصد من لم يبخل بقلبه، والسابق من جاد بروحه، ويقال: الظالم من له علم اليقين، والمقتصد من له عين اليقين، والسابق من له حق اليقين، ويقال: الظالم بترك المحرمات، والمقتصد بترك الشبهات، والسابق بترك الزيادات .

ويقال: الظالم طالب النجاة، والمقتصد طالب الدرجات، والسابق طالب المناجاة. وفي الآية وجوه كثيرة غير ما ذكرتها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث